
أخبار بلا حدود- ينام العالم العربي على الخمول سنين وعلى الاكتفاء بالمتابعة بقلق على مشاهد الحروب بكل تطفل لا غير من اجل مراقبة امتداد عواصف النيران الى أين وصلت، وعلى النقد يستيقظ العقل حين تظهر دولة في ساحة الحرب تقصف العدو في عقر داره، فيما ان لها ماض يستحق النشر للعبث فيه بالتعليقات ، فالاعتياد على روتين اللاتفاعل الحقيقي في نصرة القضايا العادلة لم يأخذ بعده الحقيقي لدى من يُفترض لهم القيام بذلك، ومن يفترض فيهم هم شلة من المسلمين يلزمون مواقع التواصل الاجتماعي للتنفيس عن رغبتهم الجامحة في الجهاد ولكن أي جهاد، انه جهاد الانتقاد وأي انتقاد ؟.
المهم أي انتقاد وهو ما يحدث حاليا مع ايران في إصرار الفرس بقصف إسرائيل ولم تفعلها ولا دولة ماعدا العراق زمن صدام حسين رحمه الله ، من وقتها لم نشهد سوى قيل وقال ،هرولة لممثلين ديبلوماسيين يعصرون عرق جباههم على أوراق التفاوض بلا نتائج ملموسة، صراحة لا نجد لأنفسنا عزاء نحن المسلمون من أنظمة متخاذلة عاثت فسادا وحصارا للمستضعفين، سوى إجازة الحاضر من الغائب بأقل جهد طبعا ، وبذلك يجوز التيمم عند انقطاع الماء وبالتالي لا داعي لمزيد من البحث عن مصادر أخرى للماء لو جفت المصادر المعتادة.
هي الفتاوي التي يتبناها بعض المسلمون كعادتهم في لسلوكاتهم وفي طريقة تعاطيهم مع القضايا التي تمس مصير الأمة من جانبها الديني العقائدي خاصة، للتنفيس عن ضغط العجز وتكوير النقص في أوداجهم هواء خاليا من أي نفس حقيقي لروح الإسلام .
ومنا الأسف لا نبديه على من كان بالأمس يتفرج على دماء غزة من ضفة الى أخرى، وقلقا لا أبديه موقفا شخصيا على كل من أمضى على شهادة وفاة رضيع أو امرة حامل تسكن في القطاع ولاذت بالفرار من الموت ولم يستقبلها بيت عربي جار، عيب وعار ان تنتقد ايران اليوم وهي من تجرأت على عدو المسلمين الحقيقي ، ومشكورة طبعا على هذه الجرأة، فيما تبقى ما تنويه أو لا تبديه وحده الله من يجازي عباده به، فالمصير اليوم وجودي والترفع على سفاسف الأمور والتركيز على صناعة مجد أمة قوية هو المكسب الحقيقي وسط مشاهد الحرب اليوم، ومن لم يستطع تبني مشروع نصرة الإسلام والمسلمين فالصمت في حد ذاته بلا انتقاد هو عمل محمود.
ان ما يحدث اليوم من هجمات أمريكا على ايران هو بمثابة تحول على الساحة الدولية وثقته تحليلات مختصين في الشأن الحربي وخبراء في الشأن السياسي وحتى محللين عاديين بين راض ومعجب لما يحدث وبين رافض وخائف ،فيما يظهر ترامب رئيس أمريكا بقبعة جميلة بيضاء وبلا ربطة عنق يخاطب العالم أنه ليعلن استمراره في حربه وأنه نجح في استهداف قادة إيرانيين في أعلى هرم السلطة الإيرانية ، يعني الرجل في فترة رياضة حربية ،لا يهمه سوى أن يدخل باب التاريخ من أوسع أبوابه ، وايران تضمد جراحها في هدوء، فيما الفزع والهلع في دول عربية ، كانت مستقرة وآمنة في سربها ولا تبالي ممن جاع من أمة العروبة والإسلام، حتى المتفلسفون من المنتقدين لم يحملوا عناء تفسير الماء سوى بالماء، ولم يفهموا بعد الفرق بين الأمة العربية والإسلامية، لكنه الضعف والوقوف بلا حجة أمام تبرير ضربات ايران الارتدادية جوا وبحرا لتشتعل النار ضياء ينير ديار النائمين ليلا. وليتهم لا يستيقظون ،ان لم يكن ثمة وعي وفهم حقيقيين لما يحدث اليوم.
ان أزمة العرب اليوم هي أزمة فاعلية وصرامة ومواجهة حقيقية لمصير قادم لن يرحم من كان موقفه مزدوجا، قلت أزمة العرب هي التركيز على مسائل باتت من الماضي حين قررت الدول العربية انشاء دستورها ورسم حدودها البرية، اذ يُفترض أن تنطلق كل دولة في عملية بناء حضاري يليق برهانات اليوم التي كنا بالأمس نتحدث عنها أنها تحديات المستقبل وحين تقول المستقبل فهو اليوم الذي انتضرناه بالأمس القريب ، قلت لا تزال القائمة العربية لا تريد أن تمتطي صهوة الخيول بسرعة العاديات ضبحا ، بل تفضل أن تتقرج وتشاهد وتحلل وتأخذ من قضايا الحرب والأزمات ما يخدم استقرارها ومصالحها، وأراه هدف شرعي ، لكن حتى استباحة دماء المسلمين يحتاج لمناصرة ضد وجه الطغيان .
فعدم النهوض الحضاري لا يبرره ضرورة حمل السلاح ، فهذه خطوة سابقة لأوانها ، لأن السلاح لم يحمل نصرة لغزة فلما يُحمل اليوم ؟، هل للدفاع عن النفس من اعتداء وشيك، لكن الاعتداء على شرف أمة تم منذ نكبة 1948، ولا أرى أن الحاضر بحاجة لنكبات جديدة ليستفيق من سباته العميق، لأن ما أفسدته سياسة حكام العرب بالأمس وهم يبيعون فلسطين تحت الطاولة ، لن يستطيعوا معرفة مصدر الضربة من أين ستنطلق لتكمل ما تبقى لهم من الوجود، فالاستعمار التقليدي الذي عرف قدر نفسه اليوم ،هو في حقيقته لم يصدق حكاية الانفصال عن المستعمرات الافريقية، وما أعنيه دولة فرنسا التي تبحث لها عن مكانة وسط الحرب الأمريكية الإيرانية وبدون ضجيج، يذكر ضحايا بإجرامها وبتاريخها الملطخ بدماء الأبرياء لكن هيهات أن يفلت أحد من عقاب الأجيال ان هي حافظت على مشعل الذاكرة بلا مساومات لإنكارها أو اسقاطها بلا تقادم أو أثر رجعي.
فيما لا تزال ردود العرب محتشمة بين متضامن بسبب قصف القواعد الأمريكية في الدول العربية وبين متحفظ في ابداء الرأي الصريح لما يحدث في ايران من عدوان على أراضيها ، لأن الحرب هذه المرة هي حرب مصيرية لا حرب عشوائية كانت تلقب بالأمس القريب بالمسرحية، وعبثا تسميات كهذه أن تستمر حين ترافقها ضربات موجعة للعدو.
أما بالنسبة للحقلة الفارغة لترامب ، فهي تكمن في تضرر بعض الدول العربية في عقر دارها بسبب الضربات الإيرانية التي على ما يبدو هي الأخرى كانت محدودة في رد فعل مضاد للهيمنة الأمريكية على من انبطحوا رعاية لشؤون شرطي العالم بكل هوان فالحلقة الفارغة ستكون في توسع مستمر ولا نستبعد سقوط أنظمة ، ثم يقظة الشعوب اليوم بات يُحسب لها ألف حساب.
لقد كنا بالأمس نطمئن غزة ونشجعها على الصمود وقلوبنا على جراحها واليوم نطبطب على بعض الدول العربية ونقول لها : دم غزة غالي وقد سال في سبيل الله وما كان في سبيل الله لا يضيع أبدا.
صحيح أننا نقف أمام تعثر حضاري بسبب وعي لم يكتمل في عقول الناس وبين نخبة ترفض التفاعل في قضايا أمتها بشراسة وبين ضمائر حية تترنح بينهما، الى أن تصدح بالتغيير…الذي هو أمر حتمي لا مفر منه، واحتضانه فرض، لأنه سيكون مقدرا من الله في سيرورة كون منظم، موزون ودقيق، لن تمنعه شظايا حرب مدمرة ولن تدفنه قرارات ظالمة، وعليه، فهي لن تمنع حدوث تحول عالمي كبير وشامل.
وهو في حقيقته في اطار التشكل انطلاقا من الشرق الأوسط، فهل وصلت رسالة اليقظة هذه فيمن سكت بالأمس على نزيف غزة العميق…دعوها فهي مأمورة هذه الحرب، وما كان مأمورا سيكون متوجا بالنفع على كل مظلوم ذاق ويلات الظلم أيا كان نوعه ، وهنيئا لمن ارتقى بالشهادة في سبيل الله وهو يدافع على كل شبر من وطنه ، هنيئا لأبناء فلسطين وللمرشد الإيراني خامنئي، كلها جوائز لا ينال شرفها الا من باع نفسه فداء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلام، ولا يهم في ذلك ان كان سنيا أو شيعيا، فالمهم هو الالتفاف لنصرة الإسلام والمسلمين ، والأخطاء المرتكبة كما قلت وحده الله من يعلم خباياها وهو من يحاسب عليها .
إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.
أخبار بلا حدود الاخبار على مدار الساعة