إعادة رسم التحالفات في الشرق الأوسط: توازنات جديدة في ظل حرب مفتوحة – لطفي العبيدي

لطفي العبيدي
 

أخبار بلا حدود- لم تعد التحالفات في الشرق الأوسط ثابتة أو قابلة للفهم وفق القوالب التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود، إذ تكشف المواجهة المباشرة الجارية منذ أسابيع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، عن مرحلة جديدة تتشكّل فيها التوازنات الإقليمية بشكل متسارع ومُعقّد. هذه الحرب، بما تحمله من تصعيد عسكري مباشر وتداخل سياسي واقتصادي، لا تعيد فقط تعريف طبيعة الصراع، بل تعيد رسم شبكة العلاقات والتحالفات في المنطقة على أسس مختلفة.

لطالما قامت بنية التحالفات في الشرق الأوسط على ثنائيات واضحة: محور تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها، في مقابل محور آخر تدور في فلكه قوى مناوئة، تتقدّمها إيران. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذه الثنائية لم تعد كافية لفهم الواقع، حيث بدأت العديد من الدول الإقليمية في إعادة تموضعها بطريقة أكثر براغماتية، تبتعد عن الاصطفافات الحادة وتسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين المصالح المتعارضة. الحرب الحالية سرّعت من هذا التحوّل. فمع انتقال الصراع من مستوى المواجهات غير المباشرة إلى مستوى الاشتباك المباشر، وجدت دول عديدة نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية دون الانجرار إلى صراع مفتوح. بعض الدول اختارت الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة مع محاولة إبقاء قنوات تواصل مع إيران، فيما سعت أخرى إلى لعب دور الوسيط لتفادي اتساع رقعة الحرب.

في هذا السياق، يبرز العامل الأمني كأحد أهم المحدّدات لإعادة تشكيل التحالفات. فالدول التي تشعر بتهديد مباشر من التصعيد تميل إلى تعزيز تعاونها العسكري والاستخباراتي مع شركائها التقليديين، في حين تبحث دول أخرى عن صيغ جديدة للأمن الجماعي تُقلل من الاعتماد الكامل على قوة خارجية واحدة. هذا التوجه يعكس إدراكا متزايدا بأنّ الضمانات الأمنية التقليدية لم تعد كافية في بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار وسرعة التغيّر. إلى جانب البعد الأمني، تلعب المصالح الاقتصادية دورا حاسما في إعادة رسم التحالفات. فالتوترات التي تؤثر على إمدادات الطاقة وأسعارها دفعت العديد من الدول إلى إعادة النظر في علاقاتها الاقتصادية، سواء من خلال تنويع الشركاء أو تعزيز التعاون الإقليمي. ومع ارتفاع أهمية الطاقة كأداة ضغط استراتيجية، أصبح من الواضح أنّ الدول المنتجة والمصدّرة للنفط والغاز تمتلك هامشا أكبر للمناورة السياسية، ما ينعكس على طبيعة تحالفاتها.

كما أن التحوّلات في الاقتصاد العالمي، خاصة مع صعود الصين وتزايد دورها في المنطقة، أضافت بعدا جديدا إلى معادلة التحالفات. فبكين، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، تسعى إلى توسيع حضورها الاقتصادي دون الانخراط المباشر في الصراعات العسكرية، وهو ما يفتح المجال أمام الدول الإقليمية لإعادة توزيع علاقاتها بين القوى الكبرى بشكل أكثر توازنا. في المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحديا متزايدا في الحفاظ على شبكة تحالفاتها التقليدية. فبينما لا تزال تمتلك نفوذا عسكريا وسياسيا كبيرا، فإن تردّدها في الانخراط الكامل في نزاعات جديدة، ورغبتها في التركيز على منافسة الصين، يدفعان بعض حلفائها إلى البحث عن بدائل أو على الأقل إلى تقليل الاعتماد عليها بشكل مطلق. هذا لا يعني تراجع الدور الأمريكي بشكل حاسم، لكنّه يشير إلى تحوّله من هيمنة مطلقة إلى نفوذ يُعاد التفاوض حوله.

أما إيران، فتسعى من جهتها إلى استثمار هذه التحوّلات لتعزيز موقعها الإقليمي. فإظهار قدرتها على خوض مواجهة مباشرة، ولو بشكل محدود، يمنحها أوراق قوة إضافية في التفاوض مع خصومها، ويعزز من حضورها كفاعل لا يمكن تجاهله في معادلات المنطقة. غير أن هذا المسار يحمل في الوقت ذاته مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي أي تصعيد غير محسوب إلى ردود فعل تعيد خلط الأوراق بشكل غير متوقع. إسرائيل بدورها تتحرّك ضمن هذه البيئة المعقدة، على نحو محاولة الحفاظ على تفوّقها العسكري ومنع خصومها من تحقيق توازن ردع جديد. إلا أن طبيعة الصراع الحالية تفرض عليها تحديات غير مسبوقة، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على جبهات محددة، بل أصبحت مفتوحة على احتمالات متعددة، تشمل البعد الإقليمي والدولي في آن واحد.

من جهة أخرى، تلعب الدول الإقليمية المتوسطة دورا متزايد الأهمية في تشكيل ملامح التحالفات الجديدة. فهذه الدول، التي تمتلك قدرات اقتصادية وسياسية معتبرة، تسعى إلى لعب أدوار أكثر استقلالية، مستفيدة من التنافس بين القوى الكبرى. هذا التوجه يعكس تحوّلا من منطق التبعية إلى منطق الشراكة، حيث تحاول هذه الدول تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب دون الانخراط الكامل في أي محور. ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه الدبلوماسية في هذه المرحلة. فمع ارتفاع مخاطر التصعيد، تزداد أهمية القنوات الدبلوماسية في احتواء الأزمات ومنع تحوّلها إلى حروب شاملة. وقد شهدت الفترة الأخيرة تحركات مكثفة على هذا الصعيد، سواء من قبل دول إقليمية أو قوى دولية، في محاولة لإيجاد صيغ توازن جديدة تحدّ من احتمالات الانفجار الكبير.

في المحصلة، تكشف الحرب الجارية أنّ الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تتسم بسيولة التحالفات وتعدّد خيارات الفاعلين. لم تعد الاصطفافات جامدة، ولم يعد بالإمكان الاعتماد على معادلات الماضي لفهم الحاضر. بل نحن أمام مشهد يتغير باستمرار، حيث تتحرّك الدول وفق حسابات دقيقة تجمع بين الأمن والاقتصاد والسياسة. هذا التحوّل لا يعني بالضرورة أنّ المنطقة تتجه نحو استقرار أكبر، بل قد يكون مؤشرا على مرحلة انتقالية مليئة بالتوترات، حيث تتشكّل توازنات جديدة لم تستقر بعد. وفي مثل هذه المراحل، تكون احتمالات الخطأ في الحسابات أكبر، ما يزيد من مخاطر التصعيد. ومع ذلك، فإن هذه المرحلة تحمل أيضا فرصا لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية على أسس أكثر توازنا، إذا ما تمكّنت الدول من إدارة خلافاتها بطرق أقل تصادمية. لكن تحقيق ذلك يتطلّب إرادة سياسية، وقدرة على تجاوز منطق الصراع الصفري الذي طبع تاريخ المنطقة لفترات طويلة.

في النهاية، فإنّ ما يجري اليوم لا يقتصر على إعادة رسم التحالفات في الشرق الأوسط، بل يعكس تحوّلات أوسع في طبيعة النظام الدولي نفسه. فالعالم الذي يتشكل حاليا يبدو أقل استقرارا، وأكثر تعقيدا، لكنّه في الوقت ذاته يفتح المجال أمام فاعلين جدد لإعادة تعريف أدوارهم ومواقعهم. وبين هذا وذاك، يبقى الشرق الأوسط ساحة مركزية تُختبر فيها هذه التحولات، وتُرسم فيها ملامح التوازنات القادمة.

الشرق الأوسط على حافة الانفجار الكبير: حرب مفتوحة تعيد تشكيل العالم – لطفي العبيدي

الكاتب التونسي: لطفي العبيدي

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

سميرة بيطام

سميرة بيطام: نحو شرق أوسط جديد تقييم موجز لقلم متأمل

أخبار بلا حدود- لا أعرف ان كان هذا الموضوع سابق لأوانه، ربما سأسمح لنفسي  على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!