الاستشراق الجنسي صورة المسلمة في رسومات المستشرقين

ممدوح الشيخ
 

أخبار بلا حدود- من الأساطير الَّتي نشرت عن النَّبي محمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرون الوسطى، تلك القائلة إنَّه ساحرٌ كبير، استطاع عن طريق السِّحر والخداع تحطيم الكنيسة في إفريقيا وفي الشَّرق، وإنَّه سمح بالدَّعارة وبالفسق؛ لكسب مزيدٍ من الأتباع وصولًا إلى حدِّ القول والزَّعم بأنَّ القرآن نفسه يتساهل، ويتسامح مع اللِّواط.

وفي تآليف أخرى ألبسوا محمّدًا قوَّةً ماردةً جبَّارة، ذات منشأ جنِّي أو سحريّ عظيم، أكسبته قدرات فائقة على خلق عجائب خياليَّة وهميَّة؛ لجذب الجهلة، وعامَّة النَّاس، ومحدودي الأفق.

وفي مخطوطة ترجمة روبرت كيتون اللَّاتينيَّة للقرآن الكريم المحفوظة في المكتبة الوطنيَّة الفرنسيَّة ظهر رسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهيئة وحشٍ بحريٍّ له رأس إنسان، وجسم، وذيل سمكة.

وقد وأحصى الباحث الألمانيّ الدُّكتور أحمد فون دنفر في بحث فريد عن ترجمات القرآن للُّغة الألمانيَّة، 41 نوعًا من الشَّتائم الَّتي تستخفُّ بالرَّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتحطُّ من قدره في مقدِّمة البروفيسور صامويل فريدريش غونتر فال لترجمته للقرآن الصَّادرة عام 1828.

إن افتراض أن الثقافة الغربية متفوقة بطبيعتها على جميع الثقافات الأخرى هو منطلق الغرب في تقييمه لجميع الفلسفات الاجتماعية والدينية.

لكن الغرب – لأسباب عديدة – نظر إلى المجتمعات الإسلامية باهتمام خاص وخوف وجهل. ومع ذلك، فإن العداء هو الموقف السائد لدى الغرب تجاه المسلمين، نظرًا للتحدي السياسي والعسكري الكبير الذي شكّله الإسلام لأوروبا المسيحية من العصور الوسطى إلى عصر النهضة.

وعندما انعكست الأدوار في القرن 19 وبدأت الدول الأوروبية الكبرى في التوغل في الشرق، لم تكن مسلحة فقط بالتكنولوجيا والإيمان بالتفوق العرقي، بل بمجموعة أفكار وأحكام مسبقة حول الإسلام والمسلمين.

ويُنظر إلى الشرق على أنه النقيض الثقافي والروحي للغرب.

وقد ظهر المشرق في أوروبا في صورة حافلة بالمتناقضات، وأحد وجوه هذه الصورة أنه أشبه ببلاد العجائب التي ينعم أهلها بحياة حالمة هانئة، وهذه البلاد في الوقت نفسه “بدائية للغاية”، وهو ما استغلته القوى الاستعمارية الغربية لاحقًا في حملاتها على ما وصفته بـ “الشرق السعيد”، بتصوير العرب والمسلمين كمجموعة همج ينعمون بخيرات لا يستحقونها في حين يتجمد الأوربيون في البرد ويموتون جوعًا.

وشهد العام 1893 تأسيس “جمعية الفنانين المستشرقين الفرنسيين”، وتزعمها مدير محفوظات متحف اللوكسمبورغ ليونس بنيديت، الذي اهتم بدراسة الحضارات الشرقية القديمة، لا سيما العمارة والزخرفة الإسلامية، وكان من أول أنشطة تلك الجمعية تنظيم أول معرض للفن الإسلامي (1893) في أروقة متحف القصر الكبير في باريس.

لكن الاستشراق أقدم من ذلك بكثير. وثمة من يرى أن المقاربة الأولى بين الشرق والغرب تعود إلى الفتح الإسلامي لإسبانيا (القرن 8 الميلادي). ولقرون كان للفن الأندلسي الإسلامي تأثير كبير على الفنانين المستشرقين حيث طغت الهندسة الإسلامية على لوحاتهم حتى القرن 19. وهذه العلاقة التاريخية بين أوروبا وبلاد المسلمين، تبلورت مع الحرب الصليبية، وظهر التأثير الإسلامي آنذاك في فن العمارة الفرنسية في النقوش والمحفورات والتطاريز والمنمنمات.

ومثل هذه الرسوم نجدها واضحة في كاتدرائيات ليون وسانس دالمان والخط الكوفي لعبارة “ما شاء الله” التي تزين كنيسة دوبوي.

وفي منعطف تاريخي آخر مهم، كان فتح القسطنطينية (1453) إيذانًا بتسرّب المظاهر الشرقية إلى أعماق أوروبا وما لبثت أزياء الغزاة الأتراك بقفاطينهم وعمائمهم المرصّعة بالجواهر وسيوفهم المقوسة أن شقت طريقها إلى لوحات الفنانين.

وكان محطّ هذا الاستشراق الفني مدينة البندقية الإيطالية حيث يستقبل أمراؤها في ثيابهم الدمقسية السفراء الأتراك المعممّين مصحوبين بالجنود الإنكشارية المدجّجين بالأسلحة العجيبة.

وما لبث المصوّر البندقي جنتيلي بلبليني أن قصد القسطنطينية ليرسم “بورتريه” السلطان محمد الفاتح، ولسنا ندري كيف قدر له أن يرسم بورتريه السلطان قايتباي، ثم السلطان الغوري.

وفي مبدأ الأمر، اعتاد المصورون الأوربيون اقتباس تفاصيل لوحاتهم الاستشراقية من مجموعة الصور المطبوعة بطريقة الحفر المعروفة باسم: “العادات والأزياء التركية” لملكيور لورك (نشرت في نهاية القرن 16). ومن المثير للاهتمام أن كثيرًا من اللوحات الفنية الأوروبية تُظهر علية القوم في الغرب الأوروبي باللباس الشرقي.

لوحات تعكس علاقة تجاذب القوة بين الشرق والغرب، حيث انتشر اللباس الشرقي في أوروبا بشكل كبير منذ عصر النهضة وعاد ليزدهر من جديد إبان القرن 18. و”لندرك مدى مكانة الرداء الشرقي آنذاك يجب أن نعلم أن تكلفة الحصول على رسم شخصي (بورتريه) كانت باهظة جدًا وبالتالي فإن اختيار الشخص لأن يرسم بهذا اللباس تحديدًا دون ما سواه يدلّ على أهميته في الثقافة الأوروبية”.

ويرجح البعض أن صور الأوروبيين بلباس شرقي كانت تعويضًا عن فشلهم في السيطرة على الشرق والاستيلاء عليه واستعمار ثقافته وبخاصة في الفترات التي تقهقرت فيها سلطة أوروبا ووجودها في الشرق، وبالتالي فإن امتلاك الزي الشرقي يعوّض هذه الرغبة المكبوتة.

وحتى في فترات الانتصار الغربي على الشرق لم يشعر الغربي بسيطرته الكاملة على المشرق بسبب حرمانه من دخول الحرملك إلا حين رسم نفسه بلباس عربي.

وعمل اللباس الشرقي كوسيلة هامة لعكس قوى متعددة للغربي الذي يرتديه، فهو يرمز لقوته (الاقتصادية)، فهو زي باهظ الثمن بارع الصنعة نادر الوجود في بلاده. ومن الاستخدامات الأخرى للرداء الشرقي استخدامه وسيلة تنكر لدخول المدن المحظورة على غير المسلمين كما فعل لورانس العرب، وكما فعل السير بيرتون الذي لبس الزي العربي وأطلق على نفسه اسم الحاج عبد الله ليتمكن من دخول مكة دون أن يسلم.

والمفارقة الجميلة، أن اللباس الشرقي شكّل للنساء الأوروبيات معنى مغايرًا تمامًا، ولعله من أكثر المعاني إنصافًا للمرأة الشرقية المسلمة.

حيث يذكر المؤرخون أن النساء الأوروبيات كنّ معجبات بالمسلمات، وعلى وجه التحديد سيدات القصور العثمانية.

وقد بدأ هذا الاهتمام بعد أن نشرت الليدي ماري مونتاغ – وهي أول امرأة أوروبية استطاعت الإطلاع على الحياة الخاصة للنساء المسلمات – مذكرات رحلتها: “رسائل من تركيا”، وفيها وصفت بإسهاب حياة المرأة المسلمة وحقوقها الكاملة في الإسلام كما شاهدتها مطبقة على أرض الواقع بين 1715م و1718م، وقد صرّحت فيها قائلة: “لا توجد في أي مكان على وجه الأرض نساء أكثر حريّة من المسلمات في أراضي الدولة العثمانية”.

هذا الأمر جعل عددًا كبير جدًا من الأوروبيات يسرن على خطاها، فقمن برحلات عديدة في دول إسلامية ليعدن بعدها إلى أوروبا ويشكّلن أول حركة لتحرير المرأة حيث طالبن فيها بحقوقهن في الميراث والتملك والطلاق، والتخلي عن بعض أجزاء اللباس الأوروبي المقيّدة لحركتهن كالمشدّ والذيل الطويل واستبدالها بلباس عملي وساتر في آن معًا شبيه باللباس العثماني.

هذا الأمر هدد الرجل الغربي ودعا كثيرًا منهم إلى اتهام المستشرقات بالكذب، وبخاصة حين أصبحت السيدات الأوروبيات في القرن 18 يتسابقن ليُرسَمن بالرداء الشرقي، ويسجلّن باستمرار في مذكراتهن حلمهن باختبار حياة نساء الشرق التي قرأن عنها.

والحروب كانت أكثر إشاعة لشهرة الأتراك في أوربا من الصلات الدبلوماسية، وبخاصة بعد أن توقف زحفهم غربًا في أعقاب هزيمتهم في معركة ليبانتو البحرية 1571 وفك الحصار عن فيينا 1683، فانبرى الفنانون الأوربيون يخلّدون هاتين الوقعتين في تصاويرهم، ويسجّلون الأتراك بمظهر الغزاة غلاظ القلوب.

وما لبث الشرق أن بادل الغرب الودّ، فاحتشدت قصور إصفهان بالزخارف الأوربية، وتتابعت الشخوص التركية في مسرحيات قصر فرساي، وأترعت الباليهات في بلاط الأمراء الإيطاليين بالرقصات التركية الطابع التي صمم أزياءها فنانون عاشوا في مصر والشرق.

وقد أظهر الإنجليز اهتمامًا مبكّرًا بالأزياء الشرقية منذ رسم الفنان الفلمنكي الأصل فان دايك شخوص لوحاته عام 1609 بالثياب الفارسية والعمائم الضخمة. وفي بلجيكا رسم الفنان الفلمنكي بيتر بول روبنز لوحة “عبادة المجوس” وهي لوحة رُسمت بين عامي ١٦٣٣ و١٦٣٤، واستخدمت كمذبح لدير في لوفين، وشخوصها يقدمون الهدايا للمسيح الطفل في صورة باشوات الشرق.

لكن الاستشراق أصبح ولعًا شديدًا مع الحملة الفرنسية على مصر الشام (1798). وبالنسبة للرسامين، كان تأثير يوجين ديلاكروا وأسفاره، والأهم من ذلك، غروره الفني، هو ما حفّز شغفهم بالاستشراق.

وتنضح اللوحة بما يرهص بصور الأميرات والراقصات والعوالم والغوازي، كما يرهص المملوك بصور جنود الباشبوزق والأرناءوط والإنكشارية فيما سيأتي من صور شرقية.

ثم ما يلبث أن يطالعنا آن لوي جيروديه بعد 3 سنوات، بالشخوص نفسها، وبالأزياء ذاتها في لوحته: “ثورة القاهرة” وقد اصطلح مؤرخو الفن على أن يعدوا هذين التكوينين الفنيين بداية التصوير الاستشراقي الفرنسي.

من جانب آخر، أسفر نجاح كتاب: “رحلة شاتوبريان إلى بيت المقدس” (1811) في فرنسا، ازدياد عدد اللوحات المصورة ذات الموضوعات الشرقية المعروضة في “صالون باريس” وفي “الأكاديمية الملكية:، بلندن، وكما كان التصوير الاستشراقي لونًا من ألوان الرومانسية، كذلك كان أسلوبًا جديدًا لتسجيل التاريخ مصوّرا، فقد اكتشف المصورون نبعًا ثرًّا للوحاتهم في الأحداث التاريخية التي وقعت بين عامي 1820 و 1830، وهي وقائع حرّكت اهتمام أوربا بمنطقة الشرق.

ونابليون بونابرت، في حملته العسكرية على مصر والشام اصطحب موكبًا من الفنانين والأثريين والموسيقيين والشعراء.

وأصبحت الأحياء التي قطنوا فيها موئلًا للفنانين المستشرقين، ويتحدث المؤرخ المصري المعروف عبد الرحمن الجبرتي بدهشة عن أعمالهم الفنية التي قال إنها: “تكاد تنطق في واقعيتها”.

وبعد ما يزيد على قرن، ترجم ثروت عكاشة هذه الحقيقة بقوله إن: “المشرق تحول إلى وحى وملهم للتشكيليين الأوروبيين الذين وصلوا عند تناولهم له فى فنهم إلى تقنية عالية من حيث تصوير الواقع بتفاصيله إلى حد الإعجاز”.

ويعلل ثروت عكاشة الوزن النسبي الكبير لزائري مصر من الفنانين المستشرقين بالقول: “من بين سائر البلاد الشرقية التى اجتذبت المصورين خلال القرن 19 كانت مصر أعظمها شهرة لاعتدال مناخها ولجمال واديها ولروعة صحرائها، إلى جانب ما يحتشد في القاهرة من الآثار الإسلامية والفرعونية بكل ما لها من سحر بالغ، وفوق كل شيء لوداعة أهلها المأثورة، كما أنها كانت توفر وسائل الراحة للرحّالة أكثر مما توفّرها غيرها من الدول الإسلامية.

فمنذ عام 1840 والقاهرة تضم عدة فنادق ذات مستوى لا بأس به، ومنذ عام 1868 بلغت رحلات كوك السياحية مدينة أسوان. وإلى هذا كله تنفسح ساحة التصوير الاستشراقي في مصر لتشمل القاهرة ومصر العليا والنوبة ووادي النيل والصحراء وسيناء”.

والترحال خلال الجيلين التاليين أصبح أيسر وأسرع من ذي قبل. ولما كانت المدن الأوربية الصناعية تظللها غشاوة قاتمة تبعث على الكآبة، فقد غدت كل لوحة تحفل بضوء الشمس انتصارًا على تلك الكآبة.

ولم تكن مثل هذه الصور تذكّر الأوربيين بعالم آخر مختلف عن عالمهم وبمشاهد مثيرة للخيال وممتعة للعين وبمواقف بطولية فحسب، بل كانت تلوّح لهم، أيضًا، بتلك المتع التي لا تتيحها أوطانهم، وتدغدغ فيهم رغبة قوية في الإحساس بالتعالي.

وبحسب الدكتور عفيف بهنسي في كتابه: “أثر العرب في الفن الحديث” فإن العمارة العربيّة، وتاريخ الفن الإسلامي، كانا وما زالا موضع اهتمام الغربيين.

وقد استهوت الملابس العربيّة البهية الأنيقة الغربيين، حتى أنهم كانوا يتحلون بها، أو يقلدونها في لباسهم.

وأثارت لوحة رسمها جاك آفيد للسفير سعيد محمد باشا موجودة في “متحف الفن الوطني” في فرساى اهتمامًا كبيرًا في الأوساط الفنية عام 1772، وأصبحت نموذجًا مطلوبًا بكثرة من قبل الطبقة الارستقراطية المتلهفة ليرسم لها آفيد صورًا شخصية على الطريقة الشرقية.

وفى انجلترا طغت الأزياء واللوحات التركية على موضة القرن 18، رغم التأثر بالظاهرة العثمانية في انجلترا لم يكن القوة نفسها كما هو الحال في فرنسا. وفى بداية القرن 19 تزايدت أعداد الناس الذين يسافرون إلى الشرق، يعنى هذا أن الشرق لم يعد يعنى تركيا تحديدًا.

في القرن 19، سهلت السكك الحديدية والسفن البخارية السفر إلى أماكن كثيرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقام فنانون غربيون بزيارة دول شرق البحر المتوسط، ومن بين الفنــانيــن الذين جلبــوا معهم صورًا من الشــــرق: إدوارد ليـــــر وويليـــام هولمان هنت وتومـــاس سيــــدن وديفيد روبرتز وفرانـك ديـلــون واللورد فريدريك ليتن.

وفي مصر في عصر الخديوي إسماعيل (ديسمبر 1830 – مارس 1895)، عاش الفنانون المستشرقون عصرهم الذهبي في مصر التي تميزت بآثارها المصرية القديمة، كالأهرامات والمعابد، وآثارها الإسلامية، كما تميزت بحياتها الاجتماعية الريفية أو المدنية المحافظة، فكانت بذلك مناخًا جديدًا للفنانين.

وتوافد على مصر فنانون مستشرقون من أنحاء أوروبا، وصوروا الأحياء والأسواق والحمامات والتقاليد الاجتماعية، ولعل أول معرض أقيم للوحات الفنانين المستشرقين كان في دار الأوبرا المصرية.

من ناحية التأثير الثقافي والفكري، أوجدت حملة نابليون تقليدًا للبحث الاستشراقي أدى مباشرة إلى نشر سلسلة نصوص مهمة، منها:

كتاب لامارتين: “رحلة إلى الشرق” 1837.

كتاب لين: “أحوال وعادات المصرين المعاصرين” (1836)

والشرق كان عالم الأحلام فسعى رحالة وفنانون، للتوغل في جوهر الحضارة الشرقيّة، ومما لاشك فيه أن إبداعات الرحالة، ومشاهدات الحجيج، وتقارير الباحثين والإرساليات والقناصل والخبراء، وضغوط المصالح السياسيّة، وبخاصة في النصف الثاني من القرن 19، أسهمت في ازدياد كثافة الوعي العام بالشرق، ومنذ سنوات بعيدة، والغرب يتطلع إلى اكتشاف الآخر، وقد تطور هذا التطلع إلى رغبة في اتصال مباشر وفيزيقي مع: الغريب والعجيب والمثير جدًا.‏‏‏

وطوال قرن كامل ظلت صور الشرق تحظى بسوق رائجة في أوربا فأقبل عليها الأغنياء الذين أولعوا باللوحات المشرقة بالضياء.

وكانت الحكومات – وبخاصة الحكومة الفرنسية – تختار صور الشرق لعرضها بالمتاحف القومية، فضلًا عن أنها كانت تعهد إلى المصورين بإعداد هذا اللون من الصور لتخليد انتصار العسكرية.

كذلك حرّكت حروب نابليون الشعور القومي الذي دفع فرنسا وإنجلترا بل إيطاليا إلى غزو الأمصار التي صُوِّرِت كفراديس جنسية واستعمارها، وأصبح الشرق في المخيال الغربي مرتعًا سهلًا وغزيرًا لإشباع الغرائز الحسيّة التي كان من الصعب إشباعها في أوربا المتزمّتة آنذاك.

و”هذه الصور كانت استجابة للرغبة في الكشف عن الغموض والتوق إلى استكناه الأسرار، وهذا وذاك لا تكفلهما لا الكاثوليكية في فرنسا ولا البروتستانتية في إنجلترا كما يكفلهما الشرق بسحره”.

وقافلة المستشرقين عادت من الشرق بطرف جذابة علقوها على جدران دورهم: خناجر عربية، أسلحة مطعّمة بالفضة والمرجان، سيوف حدباء، أنسجة دمقس مطرزة بآيات من القرآن الكريم، سجاد الفارسي وتركي، وأكلمة مصرية.

وكانت هذه الطّرف بدورها تجتذب إليها عشاق الفن الذين يختلفون إلى مراسم الفنانين لاقتناء الصور الشرقية.

وكانت الرغبة في امتلاك المحظيات من الجواري والإماء تثير الفرنسيين الذين لم يعودوا يبالون كثيرًا بمبادئ الثورة وما تنادى به من حرية وإخاء ومساواة، كما تلهب مشاعر الإنجليز الذين ضاقوا ذرعًا بما يحمله العهد الفكتوري من تزمّت، فكان بيع الجواري في أسواق القاهرة واستنبول ما يزيد في سحر هاتين المدينتين، وهكذا غدت سوق النخاسة موضوعًا شائعًا بين المصورين يتيح لهم عرض أجساد النساء عرايا أو تحت رداء شفاف.

وكان للشرق جاذبيته الخاصة بالنسبة للفنانين الغربيين، وذلك بوصفه عالم أساطير شهرزاد و”ألف ليلة وليلة” والجزء المُحرم من حياة الشرق، هو في ذاته ما يُفسّر العلاقة الرومانسيّة بالمرأة التي هي بالنسبة للفنان رافد جمالي مثير للإبداع.

وفكرة “الحريم” الشرقي كانت تراود خيال الفنان الأوروبي، وتجعله أسير حلم يرى فيه نفسه سلطانًا محاطًا بالحسناوات.

وكان لبعض هؤلاء الفنانين محاولاتهم للتغلغل في عمق ظاهرة الحريم، وتعرية هذا العالم، حيث المرأة الشرقيّة المحجبة، “أسيرة الحريم”، تُجسد بعدًا خفيًا عسيرًا على الإدراك، وتمثل جاذبيّة خاصة.

وقد كان بدهيًا أن يناقش المؤرخون مدى واقعية تَمَكُّن الفنانين الغربيين من دخول “الحرملك”!
لوبوان الفرنسية – وما نشرته مجرد مثال – جاء فيها أن “هؤلاء الفنانين لاقوا على أرض الواقع صعوبات كبيرة للالتقاء مع سكان بلاد المشرق، وكذلك في إيجاد الموديل النسائي، إذ من المعروف أن النساء في تلك البلاد يتحجبن.

وبالتالي فإن المستشرقين ومنهم ديلاكروا قد رسم بشكل عام صورً لنساء شرقيات يهوديات، كما أوضح ذلك المؤرخ الفني موريس أراما”.

وفي باريس عمل الرسامون في المراسم بإصرار على تعرية المرأة الشرقية، حيث تجسيد المرأة المحجبة في لوحاتهم يجعل اللوحة حبيسة مكانها، فمفهوم الظاهرة عصي فهمه على جمهور غربي اعتاد على محاورة الوجه المكشوف.

وثمة صور شتى للحريم بعضها ساحر متقن وبعضها مثير خلاب، ويشيع في بعضها الآخر عطن بيوت الدعارة.

وقد ظهرت نماذج النوع الأول في فرنسا على يد آنجر في لوحة “المحظية” (1807) ولوحة “الجارية ووصيفتها” (1858) ولوحة “الحمام التركي” التي رسمها في شيخوخته بعد أن استوحى محتويات المشهد والثياب من اللوحات المطبوعة في كتب الرحّالة القدامى، على حين كان رائد النوع الأول في إنجلترا هو جون فردريك لويس بلا منازع.

وفي سياق نقاشٍ أطلقه معرض دولي فن الرسم الاستشراقي البريطاني – لندن 2008 – قال أمين المعرض، الناقد، نيكولاس ترومانس “إن فن رسم جارية تركية تعرض نفسها في تحرر كامل أمام مشاهديها، على غرار ما يُعتقد بأنها كانت تفعله لتقدم نفسها لسيدها، مقصور غالبا على الفرنسيين فقط. إذ إن رسم الجارية العارية مرتبط بالدرجة الأولى بالفنان الفرنسي جان أوغوست إينجيرس، الذي رسم صورا مثل صورة حمام تركي ملئ بعاريات شهوانيات فقط”.

ولتوضيح هذه الفروق عُلقت صورة “للبيع: عبيد في القاهرة” للفرنسي جان – ليون جيروم، بالقرب من لوحة “سوق العبيد، إسطنبول”، للفنان الاسكتلندي ويليام ألن.

ولوحة جيروم مثلها مثل أعمال أخرى له، تجمع بين القسوة والجنس، إذ تعرض اللوحة جارية عارية يتدلى شعرها بين نهديها، وإلى جانبها نساء أخريات شبه عاريات، في حين أن لوحة ألن، التي تظهر بشكل مأساوي أتراكًا يتاجرون بالعبيد ويوزعون – ممتطين خيولهم – نساء أسرة يونانية أسيرة، لا تنطوي على شئ من شهوانية لوحة جيروم.

وزمانيًا، تعد الفترة بين 1840، 1880 العهد الذهبي للفن الاستشراقي، ولم يكد يكون هناك مصور شهير وقتذاك لم يكن مستشرقًا يومًا ما: ديلاكروا وجيروم في فرنسا، وماكارت في النمسا، وبريولوف في روسيا وهولمان هنت في إنجلترا، وفورتوني في إسبانيا، وكافي وكورودي في إيطاليا.

لكن بحلول عام 1880 ومع تطور وسائل الانتقال بين أوربا وآسيا أخذت هيمنة السطوة الاستشراقية في الاضمحلال.

ومكانيًا، لم يتجاوز أكثر المصورين الأوربيين في ترحالهم منطقة الشرق الأدنى المطلة على البحر المتوسط، غير أن افتتانهم بما يثير الخيال وينعش الغريزة الفنية انحصر في القاهرة واستنبول، وفي هذا الشرق الإسلامي كانت لمصر المكانة الأولى تليها تركيا وولاياتها في سوريا ولبنان وفلسطين، حيث الأراضي المقدسة التي تكاثر حجيجها وبخاصة من الإنجليز، بينما غدت الجزائر مرتعًا للمصورين الفرنسيين الذين عنوا أولًا بمشاهد البطولة ثم ما لبثوا أن أغرموا بالمشاهد الماجنة الفاحشة.

وبعد العام 1860، بينما فقد الحلم الرومانسي سحره وجاذبيته، تنامى تيار واقعي في النصف الثاني من القرن 19، واهتم الفنانون بتقديم مشاهد حقيقيّة. ومنذ 1870 لم يعد الفن الاستشراقي مقتصرًا على الفرنسيين والبريطانيين فحسب، إذ استقبلت باريس عددًا كبيرًا من الفنانين الأوروبيين والأمريكان.‏

والجمهور ما لبث أن ضاق بالاستشراق الرومانسي، إذ كانت سهولة الرحلة إلى الشرق قد أغرت جملة من الفنانين المتواضعي المواهب الذين هرعوا إلى الشرق وانحصر همهم فيما هو رخيص مفتعل، فأسدلوا الأزياء الفولكولورية والحليّ الرخيصة على الأجساد العارية رغبة في الإمتاع أكثر من الرغبة في الإتقان، وفي الوقت نفسه اتجه بعض الفنانين إلى إعداد الصور الاستشراقية عجلين في مراسمهم.

وقد اصطلح مؤرخو الفن على اعتبار يوم 17 نوفمبر 1869 (يوم افتتاح قناة السويس) نهاية الفن الاستشراقي في الشرق الأدنى، وإن بقى بعض المصورين يواصلون تزويد “صالون باريس” ومعرض “الأكاديمية الملكية” بلندن بلوحاتهم الاستشراقية لـ 20 عامًا أخرى.

ومرة أخرى، في بداية القرن 20، أطلقت “ألف ليلة وليلة” ثورة جديدة باتجاه الشرق، عندما قام عالم المصريات إدوارد لين بوضع ترجمة رصينة لهذه القصص إلى اللغة الإنجليزية بينى سنتى 1838 – 1840، وتبعه بعد ذلك المستعرب ريتشارد بورتون الذي وضع ترجمة لتلك القصص مرة أخرى بطريقة رائعة مفعمة بالأحداث الشهوانية ونشره في عام 1885.

وكان للترجمة الفرنسية التي قام بها دكتور جوزيف شارل ماردرو، ونشرت في 16 جزءًا وقع القنبلة التي امتدت لتطال كل شىء من الملابس والبالية إلى المسرح والتأليف الأدبى.

بحسب جون ماكنزي في كتابه: “الاستشراق”، “يمكن وصف المرحلة الأولى من تاريخ الفن الاستشراقي بأنها الشرق المتخيل. صور متخيلة للشرقيات تم إنشاؤها في القرن الـ 18 من قبل أولئك الذين نادرًا ما رأوا الشيء الحقيقي، هذا إن وجد”. و”التصور الاستشراقي عن العرب والمسلمين لا علاقة له بالعالم الحقيقي”.

ويعترف نقاد غربيون عديدون بما خلاصته: “لقد شوهنا الواقع برؤية خيالية لهذه الثقافات لا علاقة لها فعلا بالواقع الذي عاشه هؤلاء الناس على مر القرون. كان لدينا وجهة نظرنا حول هذا العالم وفقًا لفوائد ثقافتنا الخاصة”.

إدوارد سعيد يعتقد أن البنية الاستشراقية للصور النمطية للشرق قويت خلال القرن 19، في كتاباتٍ لعلماءٍ أوروبيين، ورحالة، ومستكشفين، وحجاج.

وبطريقة أو بأخرى، وعن وعي أو غير وعي، أسهم هؤلاء جميعًا في المشروع الأوروبي (وبصورة أساسية البريطاني والفرنسي) لتنظيم الشرق، وتنسيقه، وتصنيفه، وإعادة إنتاجه؛ أي لإيجاد نموذج “مصغَّر” للشرق، ملائم للثقافة المهيمنة السائدة، وإمكانياتها النظرية والعملية. والخلاصة أن الاستشراق بالأساس مذهبٌ سياسي، يتمتع فيه الغرب بالوصاية على الشرق، ويتجاهل اختلافَ الشرق بسبب ضعفه.

وفي فترة ما بعد التنوير، استطاع الاستشراق أن ينتج الشرق سياسيًا، واجتماعيًا، وعسكريًا، وإيديولوجيًا، وعلميًا، وتخيليًا. وفي القرن 19 وبداية العشرين، كان الاستشراق، قد وُضِعَ في خدمة الاستعمار الأوروبي، خصوصًا الاستعمار البريطاني والفرنسي، الآن أصبح موضوعًا في خدمة الاستعمار الأمريكي.

ويقترح إدوارد سعيد أن برنارد لويس ربما اتخذ مستشرقًا أنموذجيًا لتلك الفترة، يسعى – رغم تظاهره بالموضوعية – إلى أن يكشف زيف العرب والإسلام، ويسيء إليهم.

والأرجح أنه قام بهذا بادعاء أن الإسلام ليس دينًا فقط، بل أيضًا إيديولوجية معادية للسامية، وغير عقلانية،. وهذا، ذروة الاستشراق من حيث كونه مذهبًا “لا يحطُّ من شأن موضوعه فحسب؛ إنما يعمي أيضًا أولئك الذين يمارسونه”.

والاعتقادات حول الملاءمة العالمية، وأهمية النماذج الأوروبية للتطور (الثورة، البورجوازية، العلمنة، والتحديث) تصبح في هذا السياق غير مناسبة.

وأصبح هناك مستشرقون يستمدون توصيفهم للاستشراق من قناعة بأنه دراسة أكاديمية ترتبط باعتقادات أساسية معينة حول المجتمع الإسلامي (المجتمع الإسلامي منحط من حيث الجوهر متسلط، مستبد، متخلف، وراكد).

أصبح معروفًا الآن أن صورة “الحريم”، وهي تمثل منطقة المحظور والحسي كانت دائمًا شكلًا من أشكال الخيال الذكوري الاستشراقي الذي عن طريقه استطاع الغربيون أن يصوغوا نظريات حول اعتبار المرأة في الثقافة الإسلامية الرمز المجسم لكل ما هو متخلف وهمجي وحسي في هذه المجتمعات.

ومن الصعب أن نورد هنا الكم الهائل من الدراسات النقدية والتاريخية معظمها بالإنجليزية التي تناولت صورة الحريم الإسلامي في الوعي الغربي الاستشراقي خاصةً في الفترة العثمانية.

وفي كتاب: “التصورات الغربية للمرأة المسلمة 1999″، لكاتبته مهجة قحف (أمريكية/ سورية الأصل، أستاذ مساعد الأدب الإنجليزي وبرنامج دراسات الشرق الأوسط بجامعة أركنسا بأمريكا) أن هذه الصورة النمطية الاستعمارية في العصر الحديث للمرأة المسلمة داخل الحريم سبقتها صور أخري مختلفة تمامًا مبنية أيضًا علي رؤية وتجربة مغايرة.

تتبني منهجًا تاريخيًا نقديًا في تتبع صورة المرأة المسلمة في الخيال الأدبي الأوروبي، وتقسّم تشكل هذه الصورة إلي فترات تاريخية/ أدبية مثل: العصور الوسطي، وعصر النهضة، وعصر التنوير، والأدب الرومانسي، وصولًا إلي القرن التاسع عشر الإمبريالي.

والصورة التي تقابلنا للمرأة المسلمة في نصوص القرون الوسطي الأوروبية (مثل الملاحم الفرنسية التي تناولت الحروب الصليبية): أنثي قوية عنيفة محاربة حتي ينعكس ذلك علي بنيتها الجسمانية الضخمة؛ ولا يوجد ذكر لأي حجاب أو غطاء أو عزلة أو حريم في التصورات القروسطية للمرأة المسلمة، بل النموذج هو المرأة الجامحة التي تمتلئ حيوية وجرأة ولذا تمثل تهديدًا للأنوثة الهادئة الخاضعة للمرأة الأوروبية المسيحية المثالية آنذاك.

وفي كتابه: “الحريم الكولونيالي” (1986) جمع مالك علّولة الصور الفوتوغرافية التي أخذها الفرنسيون في أوائل القرن العشرين لنساء مسلمات جزائريات ومغربيات بلا اسم، تمت تعريتهن جزئيًا، وأصبحت هذه الصور “كروت بوستال” لإرسالها إلي ذويهم في فرنسا دون أظرف، في تجسيد للرغبة الاستشراقية في استباحة المرأة المسلمة وتعريتها وجعلها هدفًا للنظرة المختلسة المتلصصة، واعتبارها رمزًا للإسلام نفسه وجعله متاحًا مستسلمًا.

موضوعيًا، يمكننا تقسيم مقومات الحياة العربية التي أصبحت مادة فن الاستشراق الى فئتين من الموضوعات. الأولى: مشاهد الحياة في المدن وأوجه النشاط المختلفة فيها.

والفنانون كانوا غالبًا يصورون تلك المشاهد بدقة متناهية. ولوحات الاستشراق غالبًا ما تروق للعرب قبل غيرهم لأنها جزء من الصورة العربية ولأنها تمثل التقاليد والثقافة والحياة العربية في القرن الماضي ما يجعلها جزءًا من التراث العربي، رغم أن بعض أولئك الفنانين ارتكبوا غلطات جسيمة جدًا مثل رسم شخص يؤدي فريضة الصلاة وهو يرتدي حذاءه!.

يعتبر خورخي لويس بورخس أن “الحدث الأبرز بالنسبة لتاريخ الأمم الغربية هو اكتشافها للشرق”. ولقد شكل بحث العين الغربية عن الأدوات الفكرية والمادية التي تحقق إعادة صياغة الآخر وفق المنطق المتعطش للتوسع، آليةَ اتصالٍ وأساسَ انفصالٍ في الوقت نفسه ساعدَ على صياغة مدونة الأفكار العامة لخريطة الطريق التي سيتأسس بموجبها “الاستشراق” بوصفه علمًا لمعرفة الآخر في صورته المثلى وصورته المتخفية ودراسته بغرض احتوائه فكريًا وحضاريًا وماديًا.

وقد كان الشرق بالنسبة للغربيين دائمًا مُبهرًا وجذابًا.. مضيئًا وشفافًا.. يُرِيهم هم القادمين من عمق ظلمتهم المعرفية ما معنى أن يستر الإنسان رؤيته للعالم وللكون لأنها أشدّ إضاءة في عالمه الداخلي وأشد انسجامًا مع الامتداد الطبيعي للنفس وهي تأخذ طمأنينتها من امتداد أشعة الشمس المزروعة في الأفق كأنها النهار الدائم إلى الأبد.

وقد “برزت محاولة التماثل بين حضارتي الشرق والغرب على أعتاب مرحلة جديدة من تطورهما التاريخي (على منعطف القرنين 18، 19). وكانت قد شهدت تقاربًا وتبادلًا ثقافيًا ليس بطرف متناقض حضاريًا وحسب، وإنما عملية تأثر وتأثير وفي حالة من الازدواجية” كما تقول زينات بيطار.

غير أن هذا التماثل كثيرًا ما اصطدم بواقع المعاملة الحقيقية للغربي مكتشفا للشرق، وهو يحاول أن ينفّذ العامل الأساسي في تحرك العقلانية الغربية نحو الشرق الروحي بدافع الاحتواء والترويض وتفكيك الأنساق التخييلية المودعة في الأقفال الدينية والاجتماعية التي تحيط بقداسة الجسد الشرقي. وترسخت صورة الفعل التنفيذي لـ “التعرية” بوصفها أداة لإخضاع الآخر في المخيال الغربي.

وفي سياق “معرض الاستشراق في أوروبا” (28 يناير – 1 مايو 2011) يتكشف بعد جديد آني/ سياسي مباشر للاهتمام بالفن الاستشراقي، وبحسب روجر ديديرن، أمين صالة ميونخ للفنون التابعة لمؤسسة هيو الثقافية، يعود ذلك – ضمن أسباب أخرى – إلى أن “الشرق يحظى بأهمية كبيرًا بسبب الجدل الدائر في عموم أوروبا عن الهجرة”.

وفنون الاستشراق – بعد سنوات من الانزواء والهجوم عليها – تشهد صعودًا متزايدًا فى المشهد التشكيلى العالمى، بما تحمله من عبق التاريخ وما تعكسه من حضارات الشرق، وما ترويه من خباياه، حكاياته ويومياته.

وقد ازداد الإقبال على لوحاته الفنية وأصبح هناك تزاحم على شرائها فى أهم المزادات الفنية فى العالم، رغبة فى الاقتناء حتى من جانب أبناء منطقة الشرق الأوسط، دون اكتراث بارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق!
ومن يتأمل اللوحات الاستشراقية يدرك كم كانت مصر على مر السنين مصدرًا لجذب وإلهام المستشرقين بحضارتها وفنونها، تراثها وسحر ناسها، ولعل ذلك هو ما دفع بأحد أشهر أثريائها – بصرف النظر عن أية عتبارات سياسية أو اقتصادية – إلى اقتناء مجموعة من أكثر اللوحات الاستشراقية روعة وقيمة فنية ومادية وهو محمد شفيق جبر.

ففى عام 1993 قرر شفيق شراء أول عمل استشراقى له (لوحة لودفيج دويتش “قس مصرى يدخل معبدًا”، 1892)، من دار تاجان للمزادات فى باريس مقابل 3940 دولارًا، وبمرور الوقت أصبح محمد شفيق جبر صاحب مجموعة تضم 135 لوحة زيتية ومائية، ما جعله أحد أهم جامعى لوحات المستشرقين فى العالم، وأدى شغفه بالفن الاستشراقى إلى أنه بعد نشر كتابه عن المجموعة الفنية التى يقتنيها بعنوان: “روائع الفن الاستشراقي» استخدم الرسم الاستشراقى نقطة انطلاق لسلسلة من المناقشات الدولية تحت عنوان: “الشرق والغرب: فن الحوار”.

ويبقى أن نذكر ما ذكرته الإثنولوجية ماريون باومغارت في بحثها: “كيف تنظر النساء إلى النساء. باحثات غربيات لدى النساء العربيات”، حيث قالت إن صورة “المرأة الشرقية”، التي ظهرت في الدراسات والتقارير منذ القرن 19 تتوافق صميميًا مع القطائع (والاستمراريات) المتعلقة بصور النساء في البلدان الأوروبية الأصلية لهاته الباحثات.

وفي حديثها عن أمثلة قديمة عن النساء المسافرات للشرق، تتوقف أمام السيدة ماري وورتلي مونتاغو (زوجة السفير البريطاني في السلطنة العثمانية وعاشت في بلاط السلطان باسطنبول بين 1717 و1718)، التي امتدحت الحجاب والحريم التركي كتعبير عن الحرية.

ففي رسائلها التي نشرتها في كتاب سنة 1767 في رسالة إلى الكونتيسة فون مير آدريانوبل بتاريخ واحد أبريل 1717 انتقدت الانطباع الخاطئ للكتاب الرجال عن الحريم والحجاب قائلة عن نساء الحريم: “يمكن أن نرى في يسر بأنهن يتمتعن بحرية لا نملكها”.

رغم هذا فإن المحصلة النهائية لكشف حساب الاستشراق تشير إلى أنه، في الكثير من الاستشراق الأوروبي، وبخاصة الإنجليزي، وصولًا إلى العصور الوسطى، رسم البيزنطيون واللاهوتيون والمجادلون الرومان الكاثوليك صورةً مشوهة للإسلام.

ومما يقع في جوهر سوء فهمهم رفضُهم الاعتراف بمحمد حاملًا لرسالة ربانية، ولذا صُوِّر الإسلام “عملًا شيطانيًا”، والقرآن “نسيجًا من السخافات”، ومحمد “نبيًا كاذبًا”، و”دجالًا”، و”عدوًا للمسيح”.

وفي مناقشات، بين الحربين العالميتين بين المستشرقين – خصوصًا الفرنسيين – تبين أنه، مع أن الاستشراق التقليدي أصبح قديمًا ومهجورًا غير أن من غير المناسب أن تقتصرَ الدراسةُ العلمية لبلاد آسيا وإفريقية على عموم البحث التاريخي واللغوي؛ لأن هذا (في الحالة الراهنة للتطور العالمي) سيكون بمنزلة انتكاس في المركزية الأوروبية.

والاتصال بالعالم الإسلامي في فترة الحروب الصليبية والفتوحات العثمانية للبلقان، لم يزِلْ سوء الفهم هذا، كما أنه لم يتضاءل خلال التوسع الاستعماري الذي تلا تكوين الدول القومية الأوروبية، عندما أتت أجيال من المبشرين المسيحيين وبناة الإمبراطورية لممارسة تأثير قوي على التعليم في العالم الإسلامي.

ومن صفوف: “سفراء المسيح” و”السادة المسيحيين” ظهر متخصصون باللغات: العربية والتركية والفارسية، مهدوا السبيل للمستشرقين المحترفين.

ومن البداية كان الاستشراق الغربي قليلَ الموضوعية، وفاقدًا للنزاهة العلمية، وممتلئًا بالتحيز.

غلاف كتاب الاستشراق الجنسي
غلاف كتاب الاستشراق الجنسي

الكاتب المصري: ممدوح الشيخ 

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

ممدوح الشيخ

عندما يصبح “الدم الفلسطيني” ثمن الراتب والرتبة والبيت والسيارة! – ممدوح الشيخ

أخبار بلا حدود- لهذا الكتابان سياقان: موضوعي وشخصي، وهما مشتبكان، ففي نوفمبر 2025 كنت أتناول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!