لماذا لا يريد أحد أن تنتهي هذه الحرب؟ عن المصالح الخفية في استمرار الصراع – لطفي العبيدي

لطفي العبيدي
 

أخبار بلا حدود- في الخطاب السياسي والإعلامي السائد، تبدو الحروب دائمًا ككوارث يجب إنهاؤها، كأزمات طارئة يسعى الجميع إلى احتوائها، وكحالات استثنائية ينبغي تجاوزها بأسرع وقت ممكن. لكن ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم يطرح مفارقة مزعجة: ماذا لو لم يكن هناك استعجال حقيقي لإنهاء الحرب؟ ماذا لو أنّ استمرارها، رغم كلفتها الباهظة، يخدم مصالح أطراف متعددة، بشكل يجعل إنهاءها خيارًا غير مرغوب فيه بالكامل؟

هذا السؤال لا يعني أن هناك قرارًا مُعلنًا بإبقاء الحرب، ولا يفترض وجود اتفاق سري بين جميع الأطراف، بل يشير إلى واقع أكثر تعقيدا: تلاقي مصالح، ولو بشكل غير مباشر، حول استمرار حالة الصراع. في هذا الواقع، لا تكون الحرب مجرّد نتيجة لفشل السياسة، بل أداة ضمن أدواتها.

القوى الكبرى، التي تمتلك القدرة على التأثير في مسار الصراعات، لا تتعامل مع الحروب فقط من زاوية الأخلاق أو الاستقرار، بل من زاوية المصالح الاستراتيجية. الشرق الأوسط، بموقعه وموارده وتعقيداته، يمثّل مساحة مثالية لإدارة التوازنات الدولية. استمرار الصراع فيه يمنح هذه القوى هامشًا أوسع للمناورة، يسمح لها بإعادة ترتيب علاقاتها، واحتواء خصومها، وتثبيت نفوذها دون الدخول في مواجهة مباشرة مكلفة.

في هذا السياق، لا يكون الهدف إنهاء الحرب، بل ضبطها. إبقاؤها ضمن حدود معينة، لا تنفجر بشكل شامل، لكنها لا تهدأ أيضا. هذه ’’المنطقة الرمادية‘‘ بين الحرب والسلام تخلق حالة من التوتر الدائم، يمكن استثمارها سياسيا وأمنيا. تُستخدم لتمرير تحالفات، وتبرير وجود عسكري، وفرض ترتيبات جديدة تحت ضغط الواقع.

القوى الإقليمية، من جانبها، ليست خارج هذه المعادلة. بل هي جزء أساسي منها. فالحرب تمنحها أدوات لتعزيز موقعها، سواء عبر توسيع نفوذها، أو عبر تثبيت حضورها في ملفات حساسة. كما تتيح لها إعادة ترتيب الداخل، وتوجيه الأنظار نحو الخارج، في لحظات قد تكون فيها الأزمات الداخلية ضاغطة.

لكن ربما يكون العامل الأقل ظهورًا، والأكثر تأثيرًا، هو الاقتصاد المرتبط بالحرب. فالحروب، رغم دمارها، تُنتج أنشطة اقتصادية ضخمة: من صفقات السلاح، إلى الخدمات الأمنية، إلى إعادة الإعمار، إلى شبكات التهريب والاقتصاد الموازي. هذه المنظومة لا ترتبط بطرف واحد، بل تمتدّ عبر دول وشركات ومصالح متشابكة، ما يجعل استمرار الصراع مفيدًا لبعض الفاعلين، حتى لو كان مُكلفًا لغيرهم.

في ظل هذه التشابكات، يصبح السلام أكثر تعقيدًا من الحرب. لأنّ إنهاء الصراع لا يعني فقط وقف القتال، بل يعني أيضا تفكيك شبكة مصالح واسعة، وإعادة توزيع النفوذ، وإيجاد بدائل اقتصادية وسياسية لحالة استمرّت لسنوات. وهذا ما يجعل أي محاولة جدية للحل تصطدم، بشكل مباشر أو غير مباشر، بمقاومة من أطراف تستفيد من الوضع القائم.

الإعلام، في كثير من الأحيان، لا يعكس هذه الصورة المركبة. بل يركز على اللحظة، على التصعيد، على الضحايا، على البيانات الرسمية. هذه التغطية، رغم أهميتها، قد تُخفي ما هو أعمق: البنية التي تسمح للحرب بأن تستمر. لأنّ المشكلة ليست فقط في الأحداث، بل في السياق الذي يجعل تكرارها ممكنًا.

الأخطر من ذلك أن استمرار الحرب يُعيد تشكيل التوقّعات نفسها. فمع مرور الوقت، يصبح غياب الحل أمرًا طبيعيًا، وتتحوّل الدعوات للسلام إلى مواقف مثالية يصعب تحقيقها. في هذا المناخ، تتراجع الضغوط الحقيقية لإنهاء الصراع، ويُستبدل الهدف الكبير، وهو إنهاء الحرب، بأهداف أصغر: هدنة هنا، تهدئة هناك، دون معالجة الجذور.

هذا لا يعني أنّ الجميع يريد استمرار الحرب بشكل واعٍ، بل يعني أنّ النظام الذي تشكّل حولها يجعل إنهاءها صعبًا. كلّ طرف لديه ما يخسره في حال التغيير، حتى لو كان هذا التغيير نحو الاستقرار. وهذه المفارقة هي ما يطيل عمر الصراعات، ويجعلها تبدو وكأنها بلا نهاية.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: لماذا تستمر الحرب؟ بل: من يدفع ثمن استمرارها؟ والإجابة واضحة في ظاهرها: الشعوب. لكن ما هو أقل وضوحًا هو أنّ هذا الثمن لا يُترجم دائمًا إلى ضغط كافٍ لإنهاء الصراع، لأن موازين القوة، داخليًا وخارجيًا، لا تتأثر بالضرورة بحجم المعاناة، بقدر ما تتأثر بتوازن المصالح.

في النهاية، قد لا يكون هناك طرف واحد ’’لا يريد‘‘ إنهاء الحرب، لكن هناك واقعًا تتقاطع فيه مصالح تجعل إنهاءها ليس أولوية ملحّة للجميع. وهذا ما يجعل الصراع مستمرّا، لا لأنّه لا يمكن إنهاؤه، بل لأنّ كلفة إنهائه، بالنسبة لبعض الأطراف، قد تكون أعلى من كلفة استمراره.

وهنا تكمن الحقيقة الأكثر إزعاجًا: الحرب لا تستمر فقط لأنّها مفروضة، بل لأنّها، في شكل ما، مقبولة ضمنيًا داخل منظومة مصالح أوسع. وما لم يتغير هذا التوازن، سيبقى السلام احتمالًا نظريّا، أكثر منه مشروعًا قابلًا للتحقّق.

إعادة رسم التحالفات في الشرق الأوسط: توازنات جديدة في ظل حرب مفتوحة – لطفي العبيدي

الكاتب التونسي: لطفي العبيدي

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

لطفي العبيدي

الشرق الأوسط على حافة الانفجار الكبير: حرب مفتوحة تعيد تشكيل العالم – لطفي العبيدي

أخبار بلا حدود- لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط قابلًا للوصف بمصطلحات ’’التصعيد‘‘ أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!