عاجل

ماذا يكشف هرمز عن العالم الجديد؟ – لطفي العبيدي

لطفي العبيدي
 

أخبار بلا حدود- الحرب الدائرة حول إيران لم تعد مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، ولا مجرد فصل جديد في الصراع الإسرائيلي الإيراني، وإنما تحوّلت إلى اختبار مباشر لقدرة النظام الدولي على حماية ما يفترض أنه خارج دائرة الحرب. الملاحة الدولية، أمن الطاقة، التجارة، والاتفاقات التي يفترض أن تمنع النزاعات من الانزلاق إلى الفوضى. وحين يصبح مضيق هرمز جزءًا من المعركة، فإنّ الأمر لا يتعلّق بممر بحري فحسب، بل بحدود القوة نفسها. فهل ما زالت هناك قواعد تستطيع إلزام الأقوياء والضعفاء معا، أم أن العالم دخل مرحلة يصبح فيها من يملك القوة قادرا على إعادة تعريف القاعدة وفق حاجته؟.

تكمن أهمية هرمز في أنه يكشف شيئًا ظل الاقتصاد العالمي يخفيه طويلا. العولمة لم تلغِ الجغرافيا، وإنما جعلت العالم أكثر اعتمادا عليها. فممر ضيق في الخليج يستطيع التأثير في أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وكلفة النقل، والتضخم في اقتصادات بعيدة آلاف الكيلومترات عن الشرق الأوسط. ولهذا فإنّ أي اضطراب طويل في الملاحة لا يبقى شأنًا خليجيّا أو إيرانيّا. لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة أعمق. فالاقتصاد العالمي الذي بُني على فكرة التدفق الحر للسلع والطاقة يحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة كي يعمل، بينما تتجه السياسة الدولية اليوم نحو مزيد من التنافس والتسلح والعقوبات والحروب بالوكالة. لقد أصبح الاقتصاد أكثر عالمية، في الوقت الذي أصبحت فيه السياسة أكثر جغرافية. وهذه المفارقة هي أحد أكبر مصادر عدم الاستقرار في العالم الراهن.

لكن هرمز ليس سوى الجزء الظاهر من المشكلة. ففي الخلفية توجد مسألة أكثر خطورة: تراجع قدرة الدبلوماسية على إنتاج مخارج سياسية للصراعات الكبرى.  الملف النووي الإيراني يقدّم المثال الأكثر وضوحا. فحين تفشل المفاوضات، ثم تصبح المنشآت النووية أهدافًا عسكرية، ثم يعود الملف إلى المؤسسات الدولية بعد أن تكون الحرب قد سبقت القانون، فإنّ الرسالة التي تصل إلى بقية الدول ليست بسيطة. إنها تقول إنّ الاتفاقات الدولية يمكن أن تكون مؤقتة، وإن الضمانات السياسية قد لا تصمد عندما تتغير موازين القوة، وإن الدولة التي تريد حماية مصالحها لا تستطيع الاعتماد على القانون وحده. وهذه ليست مشكلة إيرانية فقط؛ لأنها تمس جوهر نظام عدم الانتشار نفسه. فإذا خرجت دول أخرى باستنتاج مفاده أنّ امتلاك القدرة الردعية هو الطريق الأكثر أمانًا من الاعتماد على التعهدات الدولية، فإن العالم سيكون أمام مشكلة أكبر بكثير من البرنامج النووي الإيراني.

هنا تظهر المفارقة الكبرى. لقد نشأ النظام الدولي الحديث، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، على محاولة تحويل القوة من علاقة مباشرة بين الدول إلى قوة مقيّدة بالقانون والمؤسسات. لم ينجح النظام في تحقيق ذلك بصورة كاملة، وكانت القوى الكبرى دائما أكثر قدرة على الإفلات من بعض قواعده، لكن وجود المؤسسات الدولية والاتفاقات والقواعد خلق على الأقل مساحة لإدارة الصراع. أما ما يحدث اليوم فيشير إلى عودة متزايدة إلى منطق مختلف. العقوبات بدل التسويات، الردع العسكري بدل الضمانات، القوة الاقتصادية بدل التفاوض، والتهديد بالتصعيد باعتباره وسيلة لانتزاع التنازلات. المشكلة هنا ليست أن القانون الدولي انتهى؛ فهذا استنتاج مبالغ فيه. المشكلة أن الثقة في قدرته على ضبط سلوك الدول تتآكل.  وحين تتراجع الثقة في القاعدة، تصبح القوة أكثر إغراءً بوصفها البديل.

والشرق الأوسط ليس وحده المسؤول عن هذه التحوّلات. المنطقة تكشفها بأعلى صوت لأنها تعيش منذ سنوات على حدود النظام الدولي: غزة، أوكرانيا، البحر الأحمر، السودان، سوريا، لبنان، وليبيا، كلها أظهرت بدرجات مختلفة اتساع المسافة بين ما تقوله المؤسسات الدولية وما تستطيع فعله على الأرض. وفي كل أزمة تتكرّر المعضلة نفسها: قرارات وبيانات ومطالبات بالتهدئة، ثم استمرار القتال عندما تمتلك الأطراف أدوات تمنحها القدرة على تجاهل الضغط السياسي. وهنا يصبح السؤال عن مستقبل النظام الدولي أكثر واقعية من السؤال التقليدي حول ما إذا كان النظام «ينهار» أم «يبقى». ربما لا يحدث الانهيار بهذه الصورة الدرامية؛ ما يحدث هو شيء أكثر بطئًا وخطورة:  تفكك القواعد إلى مناطق نفوذ، بحيث تصبح لكل قوة كبرى أو إقليمية قواعدها الخاصة ومجالها الخاص لتعريف الأمن والمصلحة.

ولهذا فإنّ الحرب الحالية قد تترك آثارًا تتجاوز نتائجها العسكرية المباشرة. الدول المستوردة للطاقة ستعيد حساباتها، والدول المنتجة ستعيد النظر في حماية ممراتها، والشركات ستعيد تقييم مخاطر سلاسل الإمداد، والقوى الكبرى ستضاعف استثماراتها في البدائل الاستراتيجية، من الطاقة إلى الممرات البحرية إلى الصناعات الدفاعية. لكن الأثر الأهم سيكون سياسيًا: إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه.  فالدولة التي كانت تعتبر أمنها مسألة حدود وجيش أصبحت مضطرة إلى التفكير في أمن الطاقة والموانئ والكابلات البحرية والممرات التجارية وسلاسل الغذاء والاحتياطيات الاستراتيجية. الحرب الحديثة لم تعد تبدأ بالضرورة عند الحدود، ولذلك لم يعد الأمن قابلًا للاختزال في الجغرافيا العسكرية التقليدية.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الصراع على هرمز بصورة مختلفة. إيران لا تنظر إلى المضيق باعتباره ورقة اقتصادية فقط، بل باعتباره أحد عناصر الردع التي يمكن استخدامها عندما تصبح قدراتها العسكرية التقليدية أمام قوة أمريكية متفوّقة. والولايات المتحدة تنظر إلى حرية الملاحة باعتبارها جزءًا من النظام الذي يمنحها نفوذا عالميا يتجاوز حدودها. وبين الرؤيتين تتحوّل الملاحة إلى لغة من لغات الصراع. وهذه هي النقطة التي تجعل هرمز أخطر من مجرد أزمة نفط. إنّه يختبر ما إذا كانت الممرات الدولية ملكًا للمجتمع الدولي فعلا، أم أنها تصبح في لحظة الحرب امتيازا للقوة القادرة على حمايتها أو تعطيلها. لكن الخطأ سيكون الاعتقاد أنّ الحرب يمكن أن تحسم هذه المسألة عسكريا. قد تستطيع القوة الأعظم فرض واقع معين لفترة، وقد تستطيع إيران رفع تكلفة هذا الواقع، لكن أيا منهما لا يستطيع بالقوة وحدها أن يعيد الثقة التي يحتاج إليها الاقتصاد العالمي أو النظام الدولي. فالمشكلة التي تتشكّل اليوم ليست نقصًا في الأسلحة، وإنما فائضا في القوة مقابل عجز متزايد عن إنتاج تسوية مقبولة. وهذا هو الفارق بين عالم قوي وعالم مستقر. قد تمتلك الدول ما يكفي من القوة لتدمير خصومها، لكنها لا تمتلك بالضرورة ما يكفي من الشرعية أو الثقة لبناء نظام يستطيع الجميع العيش داخله.

لذلك قد يكون أخطر ما في حرب هرمز أنها تأتي في لحظة لم يعد العالم فيها يملك مركزا واحدا قادرا على إدارة الأزمات كما كان يفعل بعد الحرب الباردة. الولايات المتحدة ما زالت القوة العسكرية والمالية الأكبر، لكنها تواجه عالما أكثر تعدّدا وأقل استعدادا لقبول قواعدها دون تفاوض. الصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى تبحث عن مساحات نفوذ أوسع، بينما تتصرّف دول متوسطة الحجم بحذر أكبر لأنها أدركت أن الاعتماد الكامل على مظلة واحدة قد يصبح مكلفًا في عالم سريع التحوّل. النتيجة ليست ولادة نظام دولي جديد مكتمل الملامح، وإنّما مرحلة انتقالية بلا قواعد مستقرة.  وهذه ربما تكون أخطر مراحل التاريخ الدولي، لأن قواعد النظام القديم لم تعد كافية، بينما قواعد النظام الجديد لم تولد بعد.

لقد اعتدنا أن نقيس الحروب بمن انتصر ومن هُزم، لكن الحروب الكبرى تُقاس أيضا بما تتركه خلفها من قواعد جديدة. فإذا انتهت المواجهة الحالية وعاد هرمز إلى العمل، فلن يعني ذلك أن المشكلة انتهت. السؤال سيكون: هل عاد العالم إلى القاعدة السابقة، أم أصبح أكثر استعدادا لتحويل الممرات والتجارة والطاقة والنووي إلى أدوات صراع؟ وإذا كان الاحتمال الثاني هو الذي سيتكرس، فإنّ العالم لن يكون أمام أزمة هرمز فقط، بل أمام عصر تصبح فيه كل بنية تحتية حيوية محتملةً لأن تتحوّل إلى سلاح.

وهنا تكمن المفارقة التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج الصواريخ. الخطر الأكبر ليس أن تغلق الحروب ممرا بحريا، بل أن تغلق الطريق أمام فكرة أن القانون يستطيع أن يسبق القوة.  فإذا أصبح على الدول أن تمتلك القوة أولًا كي تحمي حقوقها، ثم تبحث عن القانون بعد ذلك، فإنّ العالم لا يكون قد دخل فقط مرحلة تعدد الأقطاب، بل مرحلة تعدد القواعد. وعندما يصبح لكل قوة قانونها، ولكل حرب منطقها، ولكل ممر بحري ثمنه، فإن السؤال لن يعود: من يربح الحرب؟ بل:  من يملك القدرة على وضع القاعدة التي سيضطر الآخرون إلى العيش وفقها؟

ما بعد النار: الحرب التي تقتل شرقًا أوسط وتلد آخر

الكاتب التونسي: لطفي العبيدي

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.