
أخبار بلا حدود- في قراءة لي لبعض صفحات كتاب سؤال الأخلاق (مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية) لمؤلفه طه عبد الرحمن ، يذكر أن الخُلق ليس واقعة او صفة موضوعية مخصوصة يحدسها المدرك، وتوجد بجانب الوقائع والصفات الغير خلقية التي يلاحظها، فهي حكم معرفي –أو قل خبر-يحتمل أن يكون صادقا أو كاذبا ، وأن يُبرهن عليه كما يبرهن على الحكم الغير الخلقي ( أنظر ص 16 من الكتاب).
ما يعني أن ركيزة تفعيل الخلق قد تنطلق من قناعة ذاتية ويبقى تحقيقها وترجمتها الى سلوك هو فعل قائم بذاته ، وقد لا يكون صادقا أو صحيحا ، وربما يتوقف انفاذه على ما سيترتب عليه من ردة فعل من الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى ان هم تعددوا.
وفي سياق معيار الأخلاق دائما ، فان بعض الظواهر الاجتماعية التي تسود داخل أوساط الأسر والمجتمعات والأماكن التي يرتادها الطلبة أو التلاميذ وحتى الموظفون من مكاتب عمل وأقسام دراسية، تعتبر بمثابة الوعاء الذي يحوي الوقائع والأحداث النابعة من مشكلات نفسية شخصية أو صراعات وخلافات متعددة الأطراف، وهو ما يشير الى أن ثمة خلل أو سوء تقدير في تقبل الطرف الآخر أو انزعاج منه لسبب من الأسباب ، وحتى بدون سبب واضح ووجيه ،اذ نتابع بشكل متكرر حدوث ما يسمى التنمر أو الإساءة للغير لفظيا وحتى التعدي عليه جسديا ،وهو ما تظهره منصات التواصل الاجتماعي المختلفة من فيديوهات مصورة لنماذج من الابتزاز أو السخرية من أشخاص تختلف أعمارهم ونشاطاتهم بدافع تفريغ شحنات سلبية من اللاتعاطف أو اللاتفهم لما يصادفونه أمامهم من تواجد أشخاص آخرين مسالمين ، في صورة تبعث على التذمر وحتى على كراهية المشهد ، اذا كانت صياغته لا تمت بصلة لدافع أو هدف واضح له ما يستحق من هذا السلوك.
وقد وجدت ضالتي في محاولة لتكييف ظاهرة التنمر بإسقاط مختلف مفاهيم أو تعاريف السلوك المتزن، فوجدت الكاتب طه عبد الرحمن يوضح أن الأخلاقيين المعاصرين استوفوا شرح الوضوح الاصطلاحي من خلال تفرقتهم لـتعاريف بعض الكلمات مثل :
فمثلا : Ethique ،Ethics ،Morale، Morals
تعني جملة الأوامر والنواهي المقررة عند مجتمع مخصوص في فترة Morale مصطلح
مخصوصة، ومصطلح: Ethique تعني العلم الذي ينظر في أحكام القيمة التي تتعلق بالأفعال ، واذا جئنا لتصنيف التنمر كظاهرة أو كمشكلة اجتماعية لا تخضع لمعايير أخلاقية فيمكن آليا ادراجها ضمن موانع مصطلح Ethique ، كونه مرتبط ارتباطا مباشرا بقيمة الفعل ، واذا كان هذا التنمر لا يعود بالنفع من خلال الاستفادة منه كمشاركة اجتماعية مع الغير ، فيمكن تصنيفه شكلا أو نوعا من أنواع العنف ( لفظيا كان أو جسديا)، وبالتالي فالتنمر بمختلف أوجه التعامل فيه لن يكون سوى انحرافا أخلاقيا ، أو لنقل أنه تعدي على الغير من باب الإساءة لا أكثر ولا أقل ، بالنظر الى معاير القيمة أو الفائدة التي سيجنيها كل طرف من هذا السلوك، سواء بالنسبة للمتنمر أو المتضرر من التنمر.
فالتنمر كظاهرة سلبية هو سلوك عدواني مرفوض مجتمعيا، يمارسه أشخاص على آخرين رغبة منهم في السيطرة عليهم بشكل فردي أو جماعي كما ذكرت، وفي ذلك مساس بالسمعة والكرامة ، حتى أنه يأخذ طابعا عنصريا فيه محتوى من الكراهية ، كإبعاد موظف من مجموعات العمل، وهو صورة نمطية للتعسف الإداري مترجما بذرائع قد لا تمت للحقيقة بصلة، والأسباب هنا قد تكون واضحة وقد تكون خفية ، وقد تكون لدوافع متعلقة بالشخص المتنمر ذاته ، كأن يعاني من اضطرابات نفسية، ربما مرضية وربما بسبب مشاكل عائلية أو حتى أنها متعلقة بسمات الشخصية ذاتها كونها سادية أو نرجسية، وفي كل الأحوال تبقى ظاهرة التمرد في حقيقتها سلوكا ينافي الأخلاق ويعادي السمة الإنسانية لسلمية الفرد ، كونه متفاعلا في أسرته أو مجتمعه وعليه أن يحتاط في تعامله مع الغير، بأن لا يسبب لهم الأذى.
لكن ما يصعب من تأثير التنمر على الغير هو استخدام المتنمر لمنصات التواصل الاجتماعي من أجل أن يمارس تنمره على الغير، بابتزازهم أو تهديدهم ، أو على الأقل جذب الاهتمام اليه ، وهو نمط سلوكي سلبي مضاعف ،لأنه يضع المتنمر في خانة المبتز ، متجاوزا بذلك الخطوط الحمراء التي يُفترض التوقف عند حدودها حين يتعلق الأمر بالسلامة النفسية والمعنوية للآخرين.
وفي سياق قانوني ( كإجراء ردعي أو على الأقل وقائي) قمت بالبحث عن قوانين تؤطر الجزاء القانوني لظاهرة التنمر وللمتنمر كجاني أو كمذنب، فوجدت أن المشرع الجزائري لم يعرف هذه الظاهرة (التنمر الالكتروني) وهو ما يصعب تحديد المسؤولية القانونية، الا أن بعض النصوص القانونية مثل قانون (20-05) المتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية نص على حماية الأشخاص بمختلف فئاتهم العمرية من التنمر، مهما تنوعت الوسيلة المستخدمة لذلك ، سواء الكترونيا أو تقليديا .
أما من جانب الشرع، فقد منع الدين القيام بالتعدي على الغير بأي شكل من الأشكال ، في سورة الحجرات، الآية 11 ، مصداقا لقوله تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون”.
ومن أجل توضيح مسألة مهمة في ظاهرة التنمر، فيما ان كانت ظاهرة مكتسبة أو هي مجرد اهتزاز لثقة المتنمر، نجد تدوينات لبعض الملاحظين وحتى بعض التقارير، أن من يمارس التنمر قد مورس عليه التنمر من قبل، ولذلك فهو انعكاس لمعاناة سابقة، ما يجعل من محاولة التخلص من الشعور بالدونية أو القهر اسقاط الظاهرة على الغير، وقد يختار المتنمر الشخصية الأضعف حتى لا تكون لديها المقاومة الكافية أو الوعي اللازم لمنع حدوثه ،أو على الأقل الاستعداد النفسي لردة فعل ملائمة تضع نهاية لهذا التصرف المؤذي.
أما كون الظاهرة مكتسبة، فقد يكون لارتياد المنصات التفاعلية الالكترونية مساحة لتعلم طرق التنمر أو في محاولة لتقليد من يقومون بالتنمر على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما دفع ببعض الدول لأن تسن قوانين تنظم وتؤطر ارتياد لقصر على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مثل ما فعلت فرنسا مع القصر الذين دون الخامسة عشر، بعد دولة أستراليا .
تبقى ظاهرة التنمر سلوكا مقلقا سواء بالنسبة لأولياء التلاميذ خوفا على أبنائهم من ممارسة العنف عليهم، أو بالنسبة حتى للكبار الذي يعانون من عاهات أو كونهم عرضة للسخرية التي تطالهم انقاصا لإمكاناتهم الصحية أو الدراسية أو المهنية، وما أكثر أوجه التنمر وطرق ارتكابه ، وهو مدعاة لتحرك السلطات بأن تتخذ الإجراءات اللازمة بمساعدة الأخصائيين النفسانيين والاجتماعيين لتشخيص الظاهرة واعطائها بعدها الحقيقي من التأثير يعني بأقل خسائر ، من أجل إيجاد الآليات المناسبة للتقليل منها أو احاطتها بالتوجيه الصحيح نحو سلوك متزن خال من العنف .
سميرة بيطام: طلبوا منا أن ندافع عن الوطن لكن لم يعطونا المفاتيح
إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.
أخبار بلا حدود الاخبار على مدار الساعة