من المستفيد الاكبر من الازمة بين الجزائر والمغرب ؟

من المستفيد الاكبر من الازمة بين الجزائر والمغرب ؟

  • د. حميد لشهب

كثر أزيز الذباب الإلكتروني الجزائري والمغربي في الأسابيع القليلة الماضية على غير العادة، على خلفية الأزمة الديبلوماسية بين حكام الجزائر وحكام المغرب. وبارتفاع وتيرة أزيز هذا الذباب، كلما تعقدت هذه الأزمة وطالت، يتضح أن المشاركين في هذا الأزيز، ما هم في الواقع إلا ذباب حقيقيون، ليست لهم مواقف سياسية تُذكر، بقدر ما يركبون عُمى مشاعرهم البدائية لزرع السم بين شعبين ربطتهم على مر العصور علاقات أخوية متينة ومصاهرات وقرابات عائلية إلخ.

مثل هذا الذباب لم يفهم أيضا بأنه يخدم مباشرة نظامين سياسيين لحكام لا تهمهم مصلحة شعوبهم ولا حاضره ومستقبله، بقدر ما تهمه في المقام الأول مصالحه الخاصة والرغبة في عدم تضييع ماء الوجه أمام “الأخ الخصم”. ففضائح نهب المال العام، ملك الشعبين، منتشرة في البلدين معا، وهشاشة البنية التحتية والخدمات المقدمة للشعبين واردة بوضوع في القطرين المتجاورين، وقلة صحة المصالح الصحية ورداءة التعليم وتفشي البطالة في صفوف كل الفئات الإجتماعية، وبالخصوص الشبابية منها، واقع مر يعاني منه الشعبان معا. فعلى أي تفوق لبلد على الآخر يتحدث هذا الذباب؟ بل هل يستحق حكامه تضامن مواطنيه معه، أم وضع اليد في اليد وإعلان مظاهرة صاخبة ومدوية من شرق الجزائر إلى غرب المغرب ضد حكام يعملون على التفرقة والعداوة ودق طبول الحرب بين شعبين هما في غنى تام عن هذا؟

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو من المستفيد من هذا التصعيد بين البلدين وهل تندلع حرب فعلية بينهما؟ لا ريب أن هناك مستفيدين رئيسيين من دفع الشعبين للمواجهة الإعلامية وجرح مشاعر بعضهما، والسقوط في التجرد من المسؤولية الأخلاقية اتجاه الجار والمسؤولية الحضارية اتجاه تاريخ البلدين. المستفيد الأول من هذا التوتر هما حكام المغرب والجزائر، أما المستفيد الثاني فهي القوى الإستعمارية الخارجية، وعلى رأسها فرنسا وإسبانيا.

تتجلى استفادة النظامين الجزائري والمغربي من هذه الأزمة في توجيه الأضواء الكاشفة على عدو خارجي وهمي، بهدف صرف نظر الشعبين على مشاكلهما الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. ما زال اقتصاد البلدين ريعي، لم يرق بعد إلى اقتصاد متقدم، برأس مال يُنتج الفائدة من خلال الإستثمار. بل الأدهى من هذا أن خزائن الدولتين، تُنهب بتحريض وتشجيع مباشر أو غير مباشر من طرف السلطات القائمة، السباقة في الحقيقة لهذا النهب. باختلاقها للأزمات بين الشعبين، تعمل سلطات هذين البلدين على تعميق الأزمة لإقتصادية التي توجدان فيها، وتضيق الخناق المادي على مواطنيها برفع أسعار المواد الغذائية الضرورية للعيش وعدم الإستثمار في الميدان الخدماتي والبنية التحتية. وما تبقى بعد نهب خيرات الشعبين، يُصرف على اقتناء العتاد العسكري، حتى أصبح البلدين عبارة عن ثكنة عسكرية بأدوات عسكرية يفوق ثمنها الخيال، تحسبا لهجوم “الأخ العدو”. وهنا بالضبط نلمس تهديد الحرب، وما إذا كان تهديدا واقعيا أو سيناريوهات تكتبها هذه السلطات لترهيب شعبيها وزرع العدوانية والكراهية فيهما.

أما المستفيد الثاني من تأجيج النار في كانون مطبخ النظامين المغربي والجزائري فهي الدول الإستعمارية، ونقصد هنا كل الإتحاد الأوروبي، وبريطانيا وأمريكا وروسيا والصين؛ حتى وإن كانت فرنسا وإسبانيا هما رأس حربة النفخ في هذه النار. فالدول العظمى تتنافس لترويج منتجاتها المختلفة، وعلى رأسها العسكرية، في البلدين، وهناك بوادر واضحة تَشِي بأن التخطيط لتفجير هذين البلدين، كما حدث في دول عربية ومسلمة أخرى، آت لا محالة؛ أو أنه قد بدأ بالفعل. وما إن استعارت نار الأزمة بين الجزائر والمغرب، حتى أقدمت فرنسا، التي ما زالت تعتبرهما ملكا لها، كل بطريقته، على صفعهما معا، بتضييق الخناق على منح مواطنيها تأشيرات دخول لفرنسا. ورمزية تعقيد منح التأشيرات هذا خطير للغاية، تُستباح الأرض الجزائرية والمغربية لكل قادم فرنسي، ولو كان مجرما وهاتك عرض أطفال في بلاده، وتغلق فرنسا حدودها أمام أبناء وبنات ما يسمى المغرب العربي. وإذا لم يكن هذا استعراض للقوة، وتذكير هذين البلدين بأنهما مازالا لم يبرحا في منطق الحكام الفرنسيين حضيرة الإستعمار، فإنه بالكاد تعبير عن غطرسة فرنسية حقيقية. أما إسبانيا، فإنها تستنزف الخيرات الطبيعة للجزائر، وتستورد غازها الطبيعي عابرة الأراضي المغربية، مضيفة هذا العبور إلى احتلالها الغاشم لمدينتين مغربيتين في شمال البلاد.

لم ينتبه الذباب الإلكتروني الجزائري والمغربي إلى أن الحكام العرب بصفة عامة، يأخذون شعوبهم كرهينة عندما تحدث أزمات بينهم، كما حدث في السنوات القليلة الماضية بين دول ما يسمى الخليج. والخاسر الأكبر في الأزمة الخليجية كانت العائلات وأبناء الشعب البسطاء الذين تربطهم علاقات عائلية وقرابة دموية؛ وهو نفس الشيء بين الجزائر والمغرب. وعلى ما يبدو، تصالح الحكام وتعانقوا من جديد، وكأن شيئا لم يحدث، ولم يخطر على بالهم تقديم أي اعتذار لشعوبهم. هذا الأمر وارد أيضا فيما يخص المغرب والجزائر، وعلى الشعبين معا التحلي بالحيطة والحذر من سلوك حكامهم في هذه الأزمة، ورفض كل لجوء إلى العنف والعدوانية والعداء اللفظي والرمزي اتجاه الشعب الآخر. فكل المشاكل قابلة للحل بوسائل ديبلوماسية متحضرة ومسؤولة، والتهديد بالحرب، هي الحرب الحقيقية. ولا تسمن أية حرب ولا تغني، بل تدمر وتقتل وتُرجع الشعوب إلى مربع الصفر في كل شيء. وعلى كل القوى الحية في البلدين، وبالخصوص ما يسمى الفئة المثقفة، الوقوف في صف شعبيها وتأطير هذين الشعبين وإبعاده عن مركز التوتر بين حكام البلدين، وإرساء دعائم سلم دائم بين شعبين ليسا في حاجة لأي نزاع، مهما كان نوعه، في منطقتهما. ويعلمنا التاريخ، بأن الحاكم إن “أنعم الله عليه بشعب غافل” يستطيع دفع هذا الشعب إلى حافة الهاوية، ويُشعل فيه طبيعته الحيوانية الشرسة والبدائية للفتك بالآخرين، كما حدث في ألمانيا الفاشية. على الشعب المغربي والجزائري الرفض التام لسياسة حكوماتهما اتجاه بعضهما وإرغامهما بمظاهرات سلمية مسؤولة على العمل على إحقاق السلام، لأنه الهدف الأسمى والشرط الأساسي لنهضة الشعوب.

شاهد أيضاً

تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” يعلن عن مقتل زعيمه

تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” يعلن عن مقتل زعيمه

أخبار بلا حدود – أعلن المتحدث بإسم تنظيم “الدولة الإسلامية” “داعش”، اليوم الأربعاء، عن مقتل …

تعليق واحد

  1. ان محتوى هذا الموضوع لا يختلف عن رؤية بعض المملكات العربية التي تريد الصلح بين الجزائر و المغرب متناسية ان الصلح لم يكن ان يكون لو لم تحدد الأخطاء ، فالجزائر لحد الساعة ليس بينها و بين المخزن أزمة بل هي أغلقت بابا للغداء و كان بمقدورها ان ترد الصاع صاعين على دمى المخزن
    اما عن قولك من المستفيد هي القوي الاستعمارية فمن قال لك ان للمغرب سيادة عن أمره هو اداة في يد فرنسا منذ تأسيس المملكة على يد المرشال ليوتي سنة 1912 الي يومنا هذا فكيف لك أن تضع الشأن الجزائري و المغربي في كفة واحدة
    حقيقة ان رنات و كلمات الحكمة و التعقل تظهر طلاءا لموضوعك و لكن عمقه يخدم جهة معينة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *