
أخبار بلا حدود- ليست كل الحروب مجرد صراع على الأرض أو النفوذ. هناك حروب تتحول إلى لحظات تأسيسية تعيد كتابة التاريخ السياسي للمناطق والدول، وتُسقط قواعد كانت تبدو ثابتة لعقود طويلة. وما يجري اليوم في الشرق الأوسط يبدو أقرب إلى هذا النوع من الحروب؛ حرب لا تدور فقط حول حدود أو مصالح آنية، بل حول شكل الإقليم نفسه، وهوية القوى التي ستقوده في العقود القادمة.
فالشرق الأوسط الذي عرفناه بعد الحرب الباردة ليس هو الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم. والخريطة السياسية التي نشأت بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 تتعرض الآن لاختبار غير مسبوق. نحن لا نشهد مجرد مواجهة بين إيران وإسرائيل، ولا مجرد انخراط أمريكي جديد في المنطقة، بل نشهد اهتزازًا عميقًا في بنية النظام الإقليمي بأكمله.
التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تحدث بهدوء. فحرب 1967 لم تغيّر حدود الدول فقط، بل أسقطت مشروعًا سياسيًا كاملاً وأنتجت واقعًا عربيًا جديدًا. والثورة الإيرانية عام 1979 لم تُسقط نظام الشاه فحسب، بل أعادت تشكيل التوازنات في الخليج والشرق الأوسط لعقود لاحقة. أما الغزو الأمريكي للعراق فقد أنهى مرحلة وفتح الباب أمام مرحلة أخرى ما زالت المنطقة تدفع ثمنها حتى اليوم. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس من سيربح هذه الحرب عسكريًا، بل من سيملك القدرة على العيش في الشرق الأوسط الذي سيولد بعدها.
أحد أبرز ملامح التحول الجاري هو أن موازين القوة لم تعد تُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والصواريخ. فالقوة في القرن الحادي والعشرين أصبحت أكثر تعقيدًا. إنها مزيج من الاقتصاد والتكنولوجيا والقدرة على بناء التحالفات وإدارة الأزمات والتحكم في السرديات الإعلامية. ولهذا قد نجد أطرافًا تحقق انتصارات عسكرية لكنها تخرج أضعف سياسيًا، بينما تحقق أطراف أخرى مكاسب استراتيجية دون أن تطلق رصاصة واحدة. لقد كشفت السنوات الأخيرة أن النفوذ لا يُبنى بالقوة الخشنة وحدها. فالصين، على سبيل المثال، أصبحت لاعبًا دوليًا مؤثرًا ليس عبر الحروب، بل عبر التجارة والاستثمارات والممرات الاقتصادية. وروسيا عادت إلى المسرح الدولي من خلال توظيف الفراغات الجيوسياسية التي تركها تراجع النفوذ الغربي في بعض المناطق. أما في الشرق الأوسط، فإن الدول التي استطاعت تنويع اقتصادها وتوسيع شبكات علاقاتها الدولية أصبحت أكثر قدرة على التعامل مع الاضطرابات المتلاحقة. ومن هنا تبدو الحرب الحالية اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا للقوة العسكرية من جهة، واختبارًا للقدرة على إدارة ما بعد الحرب من جهة أخرى.
إيران، على سبيل المثال، لا تواجه مجرد تحدٍ عسكري، بل تواجه سؤالًا يتعلق بقدرتها على الحفاظ على شبكة نفوذها الإقليمي في ظل ضغوط اقتصادية وأمنية متزايدة. وإسرائيل بدورها لا تواجه فقط تهديدات أمنية، بل تواجه تحديًا يتعلق بموقعها الإقليمي وصورتها الدولية ومستقبل علاقاتها مع محيطها. أما الولايات المتحدة فتخوض اختبارًا مختلفًا يتمثل في قدرتها على إدارة أزمات متعددة في عالم يشهد صعود قوى منافسة وتراجعًا نسبيًا لاحتكارها للنفوذ العالمي. لكن التحول الأهم ربما لا يتعلق بهذه القوى وحدها، بل بالدول التي تحاول البقاء خارج دائرة الصدام المباشر. فبعض الدول العربية والخليجية تدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط في كسب الحرب، بل في الاستعداد لليوم التالي. ولهذا تسعى إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، وشبكات تحالف أكثر مرونة، وقدرات ذاتية تقلل من آثار أي اضطراب إقليمي طويل الأمد.
وفي خضم هذا المشهد، يلعب الاقتصاد دورًا حاسمًا في تحديد الرابحين والخاسرين. فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بما تدمره من بنى تحتية، بل بما تعيد تشكيله من خرائط اقتصادية. وكل أزمة كبرى تخلق فرصًا جديدة لقوى قادرة على التحكم في الطاقة أو التجارة أو التكنولوجيا أو الممرات الاستراتيجية. وقد أثبتت الحرب الروسية الأوكرانية كيف يمكن لصراع إقليمي أن يعيد رسم أسواق الطاقة العالمية، ويؤثر في أسعار الغذاء، ويغيّر اتجاهات الاستثمار. والشرق الأوسط اليوم يقف أمام احتمال مشابه، خاصة إذا امتدت تداعيات الحرب الحالية إلى طرق الملاحة الدولية أو منشآت الطاقة الحيوية.
لكن الوجه الآخر لهذه التحولات أكثر قتامة. فالحروب لا تعيد رسم خرائط النفوذ فقط، بل تعيد تشكيل المجتمعات نفسها. ملايين البشر الذين يعيشون تحت وطأة الصراع يحملون معهم آثارًا اجتماعية ونفسية وسياسية تستمر لعقود. وغالبًا ما تكون هذه التحولات الصامتة أكثر تأثيرًا من نتائج المعارك العسكرية المباشرة. ولهذا فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط في غرف العمليات العسكرية أو على طاولات المفاوضات الدولية، بل أيضًا داخل المجتمعات التي تتعرض اليوم لاختبارات قاسية. فالمجتمعات التي تفقد الثقة بمؤسساتها أو تتعرض لاستنزاف طويل قد تصبح مصدرًا لأزمات جديدة حتى بعد توقف إطلاق النار. أما القوى الدولية الكبرى فتتعامل مع المنطقة باعتبارها جزءًا من صراع أوسع على مستقبل النظام الدولي. فواشنطن تسعى للحفاظ على موقعها القيادي، بينما ترى موسكو وبكين في التحولات الجارية فرصة لتوسيع نفوذهما وتعزيز فكرة العالم متعدد الأقطاب. ومن هنا يصبح الشرق الأوسط مرة أخرى ساحة تعكس التنافس بين المشاريع الدولية المختلفة.
والسؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو إعادة إنتاج النظام الإقليمي القديم مع بعض التعديلات، أم نحو ولادة نظام جديد بالكامل. المؤشرات الحالية توحي بأن حجم التحولات أعمق من أن يُستوعب داخل الأطر التقليدية. فالكثير من المسلمات التي حكمت المنطقة خلال العقود الماضية تتعرض اليوم للاهتزاز، من طبيعة التحالفات إلى مفهوم الردع، ومن دور الدولة الوطنية إلى طبيعة النفوذ الخارجي. لذلك فإن الحديث عن الرابحين والخاسرين يجب أن يُفهم بحذر. فبعض القوى قد تبدو منتصرة اليوم لكنها تكتشف لاحقًا أنها استنزفت مواردها ومكانتها. وبعض القوى التي تبدو في موقع دفاعي قد تخرج أكثر قدرة على التأثير بسبب حسن إدارتها للأزمة.
في النهاية، لا يبدو الشرق الأوسط مقبلًا على مجرد مرحلة جديدة، بل على إعادة تعريف شاملة لقواعد اللعبة. وما يجري اليوم قد لا يكون سوى الفصل الأول في عملية طويلة من إعادة توزيع النفوذ والقوة. وبين من يقرأ التحولات القادمة بعين المستقبل، ومن يصر على إدارة الحاضر بعقل الماضي، سيتحدد شكل الشرق الأوسط الجديد، كما ستتحدد أسماء القوى التي ستقوده، وتلك التي ستتحول إلى مجرد ذكرى في كتب التاريخ السياسي.
العقل الذي فقد خريطته: لماذا تتحوّل الثقافة العربية إلى ذاكرة بلا اتجاه؟ – لطفي العبيدي
إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.
أخبار بلا حدود الاخبار على مدار الساعة