
أخبار بلا حدود- “الاستشراق” حركة فريدة من نوعها في تاريخ الفكر العالمي، إذا أخذنا في الاعتبار قيام فئة معينة من العلماء والمفكرين غير المسلمين بالتعاطي مع الإسلام والمسلمين وتراثهم وأخلاقهم وعاداتهم وآدابهم، بل سلوكياتهم، دراسة وتحقيقًا وترجمة وحفظًا ونقدًا، ما أثار كثيرًا من التساؤلات حول دوافع هذه الفئة وأهدافها. وأظهر هذا الهاجس في موقف المستشرقين من الحضارة الإسلامية نمطًا من التلقي عن المستشرقين، قد يدخل في مجمله في مفهوم (نقد الاستشراق). وقد جاء نقد الاستشراق من علماء مسلمين ثم تبعهم مستشرقون قاموا بنوع من “النقد الذاتي”. وهم مستشرقون لم يرضهم تحوُّل الاستشراق من مساره العلمي إلى أدوات أو وسائل لدعم أغراض دينية (تنصيرية) وسياسية واحتلالية، وربما تجارية واقتصادية.
وقد أصبح الاستشراق في مرحلة متأخرة من تاريخ الفكر العربي المعاصر أحد أكثر القضايا استحواذًا على الدراسات التي تتناول العلاقة بين الشرق والغرب وهي علاقات شديدة التعقيد والتركيب، ففي وقت مبكر من العصور الوسطى بدأت خبرة كل من الطرفين بالآخر، وهي حقبة كان فيها المسلمون يشكلون، تقريبًا، القوة الأكبر في العالم، وتوسعت دولتهم لتشمل مناطق كانت تاريخيًا ضمن نطاق النفوذ التاريخي للقوى الأوربية (الغرب القديم قبل اكتشاف أمريكا).
وفي هذا السياق التاريخي/ الجغرافي الممتد طرأت تحولات نوعية غير مسبوقة على ما يسمى: “الجغرافيا السياسية للأديان”، فالإسلام كدين أصبح أقرب جغرافيًا من القارة الأوروبية، ثم أصبح في الأندلس، وفي المقابل كانت حقيقة أن مهد المسيحية “فلسطين” جزءًا من الدولة الإسلامية قد دفع، لأسباب يختلف المؤرخون بشأنها خلافًا واسعًا، في تحرك الجيوش المسيحية/ الأوروبية صوب بيت المقدس في مواجهة عسكرية لا نظير قبل حروب عصر الحديث “الحروب الصليبية”.
وأعقبت الحروب الصليبية موجات من المواجهة انتهت بسيطرة القوى الغربية على مساحات واسعة من بلاد المسلمين. وهنا أصبح الفكر أحد أهم وسائل الصراع، وصار “الاستشراق” لاعبًا لا يستهان به في لعبة الصراع. وما حفلت به كتابات كثيرة حاولت تقييمه لم تستطع الإفلات من شبكة التعقيدات التاريخية/ الفكرية/ السياسية التي تقاطعت مع مسار الظاهرة.
ومن الناحية التاريخية فإن، أحد المعضلات في تحديد الموقف من الاستشراق والمستشرقين هي الاختلاف الواضح في نشأة الاستشراق، وكونه انطلق من الأديرة والكنائس، و20 من طلائع المستشرقين الـ 29 (بين سنتي 938 و1552) انطلقوا من الكنيسة والرهبنة، و2 منهم من خلفية يهودية.
كان الفن الاستشراقي رائدًا على يد الفرنسيين، وطوره الفنانون البريطانيون وغيرهم من الفنانين الأوروبيين منذ أوائل القرن التاسع عشر، ولكن مع زيادة النشاط الفني بعد منتصف القرن، يشير الفن الاستشراقي تقليديًا إلى صور الحياة والتاريخ وتضاريس المنطقة الجغرافية الواقعة بين تركيا والشرق الأدنى وشبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا.
وعلى النقيض من التماسك الملحوظ للاستشراق الفرنسي كمدرسة مميزة – حيث تأسس صالون الرسامين الاستشراقيين الفرنسيين في عام 1893 – فقد وُصِف الاستشراق البريطاني مرارًا وتكرارًا بأنه ليس فقط “أقل شهرة” و”أقل إنتاجًا”، بل أيضًا بأنه أكثر “فردية”. وكانت المناقشات النقدية في السبعينيات والثمانينيات تميل إلى التركيز على الرسامين المستشرقين الفرنسيين المشهورين في القرن 19، من ديلاكروا إلى دينيه، مع إشراك نظرائهم البريطانيين في هذه المناقشات في أحيانٍ كثيرة.
وقد حدث عام 1910 أن زار الأستاذ وديع البستاني، مترجم “رباعيات الخيام” عن الانجليزية، المستشرق مرجليوث في بيته بانجلترا، وطلب منه رسمه “صورته” ومقالة بأسلوبه العربي، فكان له ما أراد. ونشر الأستاذ البستاني مقال مرجليوث: “مذهب المستشرقين” في: “مجلة الزهور” عام 1911. وحسب مقال مرجليوث فإن “المستعربين” (أي المستشرقين) رجال من الأجانب اتخذوا اللغة العربية لغةً وتزيوا بآداب العرب.
وقياسًا علي تلك الكلمة وضع في أيامنا اسم: “المستشرقين”، تسميةً لمن ينتمي إلى علوم الشرق من أهل الغرب. وفيهم أناس “لا يـُطعَـن في أهليتهم، وإنما تركوا جادة طريقة أصحابهم لأسباب نريد أن نبينها لمن ذهبت عنه أو خفيت عليه. فأول داعية دعت قومًا من علماء الإفرنج إلى اكتساب العلوم الشرقية هي الديانة؛ فإن التوراة أساس أسس عليه الدين المسيحي ولغتها الأصلية عبرانية، تختص باليهود الذين، مع حفظهم لكتابهم المقدس وتعبدهم بفروضه، لم يهتدوا إلى تبويب وتدوين قواعدها وقوانينها إلا بعد توطئة نوابغ نحويى الإسلام للطريق. وبعد ما ألف “سيبويه” كتابه وجمع “أبو عبيد” غريبه ورتب “الراغب” مفرداته، حملت بعض أساتذة اليهود الغيرة على الاقتداء بهم”.
ويضيف مرجليوث: “وقد سهل ذلك عليهم ما بين اللغتين من التقارب والتشابه فلما استهل عند الإفرنج قمر المعارف سار لاهوتيوهم يأخذون من علماء اليهود تفسير التوراة.. وبتفقيه الآثار تدرجوا إلى الموارد العربية فأصبح كل من يرغب في الوقوف علي حقائق معاني التوراة طالبًا للعربية لا يستغني عن طرف منها. فالسبب الأصلي في تأسيس أستاذيات اللغة العربية عند الإفرنج هو ديني صرف، أضيف إليه ما كان اشتهر من حذق أطباء العرب وحكمائهم ومنجميهم، وأنه لم يزل عندهم متون أئمة اليونان القدماء وشروحها، وكان طلبة الطب عندنا قبل 250 سنة يضطرون إلى حضور دروس مدرس العربية.
ثم عندما بلغت حرية الأفكار ما بلغت وأنتجت علوم جديدة تنقّر عن الإنسان من حيث هو إنسان وتبحث عن مصادر السياسات والأديان وتاريخ الممالك والبلدان واختلاف الأنواع باختلاف الزمان والمكان، لم يخفف على المتبحرين في هذه العلوم اتساع الممالك الإسلامية وعظم ما تشمل عليه من المواد اللازمة لأشغالهم من آثار متواترة وعوائد غير مخل بها ومذاهب متشعبة وطرائق متفاوتة فازدادوا رغبةً في الحصول على الآلات التي تمكنهم من الاكتشاف عن خفايا التاريخ وهؤلاء لابد لهم من الاستشراق”.
وهذه الرواية للعلاقة التاريخية بين الغرب والاهتمام بعلوم المسلمين قليلة الرواج، إذ يغلب على من يؤرخون لظهور الاستشراق أن يربطوه برغبة غربية لا مواربة فيها باستخدامه بشكل مغرض إما لتحقيق أهداف دينية (تشويه صورة الإسلام لوقف انتشاره السريع) أو دنيوية (عسكرية أو اقتصادية أو عسكرية واقتصادية معًا). والهدف ها ليس البحث عن العامل الواحد الوحيد الذي يفسر هذا الارتباط، فمعرفة التاريخ تعلـِّمنا أن مثل هذه الظواهر المركبة، غالبًا، تسهم روافد متعددة في نشأتها، وكذلك في التأثير في مسارها.
وتاريخيًا لا يعرف بالضبط من أول غربيّ عُنِيَ بالدراسات الشرقية، ولا في أي وقت كان ذلك، فمن الصعب تحديد تاريخ معين لتعرف الغرب علي الشرق، ورغبته المستمرة في “اكتشافه”، وسبر أغوار هذا “الغريب، والعجيب، والمثير”!!.
لكن يمكن أن نشير إلى الترجيحات التالية:
- قد تكون البداية مع ظهور الإسلام، والاحتكاك به في عدة مناطق التماس، ومواقع التدافع (سلمًا وحربًا).
- هناك من يؤرخ لبدايته “الرسمية” بقرار مجمع “فيينا” الكنسي عام 1312م، مصدقًا علي أفكار “روجر بيكون” (1214، 1294م)، الداعية لتعلم لغات المسلمين، بإنشاء عدد من كراسي الأستاذية في بعض اللغات كالعربية والعبرية في جامعات أوربية (باريس، وأكسفورد، وسلامنكا، وبولونيا، وجامعة المدينة البابوية).
- يري فريق آخر أنه يعود إلي النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، ثم بلغ أوجه فى أواخر القرن 18.
- من المؤكد أن بعض الرهبان الغربيين قصدوا “الأندلس” في إبان عظمتها ومجدها، وتثقفوا في مدارسها وجامعاتها، وترجموا معاني القرآن والكتب العربية إلى لغاتهم، وتلمذوا لعلماء المسلمين في مختلف العلوم، ولا سيما الفلسفة والطب والرياضيات. ومن أوائل هؤلاء الرهبان الراهب الفرنسي “جربرت” (انتخب بابا لكنيسة روما عام 999)، و”بطرس المحترم” (1092م، 1156م) و”جيراردي كريمون” (1114م، 1187م) الذي أدخل حساب الأرقام إلي أوروبا عن طريق الأندلس. بعد أن عاد هؤلاء الرهبان إلي بلادهم ونشروا ثقافة العرب ومؤلفات أشهر علمائهم، أسست المعاهد للدراسات العربية.
وأخذت الأديرة والمدارس الغربية تدرس مؤلفات العرب المترجمة إلى اللاتينية، وهي لغة العلم في جميع بلاد أوروبا يومئذ، واستمرت الجامعات الغربية تعتمد علي كتب العرب، وتراها المراجع الأصلية للدراسة قرابة 6 قرون.
ولم ينقطع منذ ذلك الحين وجود أفراد درسوا الإسلام واللغة العربية، وترجموا معاني “القرآن الكريم”، وبعض الكتب العربية العلمية والأدبية. حتى جاء القرن 18، وهو العصر الذي بدأ فيه الغرب في استغلال العالم الإسلامي، والاستيلاء علي أراضيه،، فإذا بعدد من علماء الغرب ينبغون في الاستشراق، ويصدرون مجلات متخصصةً، وإذا بأعداد هائلة من نوادر المخطوطات العربية تنتقل إلى مكتبات أوروبا، وقد بلغت في أوائل القرن 19 مئتين وخمسين ألف مجلد، وما زال هذا العدد يتزايد حتى اليوم. وفي الربع الأخير من القرن 19 عقد أول مؤتمر للمستشرقين في باريس عام 1873م، وتوالى عقد المؤتمرات التي تعني بالدراسات عن الشرق وأديانه وحضارته، وما زالت تعقد حتى اليوم.
وحسب كتاب: “استعمار مصر لتيموثي ميتشل، فإن الوفد المصري الذي سافر إلى المؤتمر الدولي للمستشرقين الذي عقد في استكهولم في صيف 1889، مر وهو في طريقه إلى السويد، بباريس وتوقف هناك لزيارة المعرض العالمي. وقضى المصريون الأربعة عدة أيام في العاصمة الفرنسية حيث صعدوا “برج إيفل” ……. ووسط هذا النظام والأبهة، لم يزعجهم إلا شيء واحد: لقد شيد الفرنسيون الجناح المصري في المعرض بحيث يمثل شارعًا متعرجًا من شوارع القاهرة، يتألف من بيوت ذات طوابق علوية آيلة للسقوط ….. وكتب أحد المصريين: إن المنظم الفرنسي فعل ذلك “قاصدًا مشاكلة الهيئة القدينة بمصر”. كما جرى الحرص على جعل الجناح المصري متسمًا بالفوضى، فخلافًا للخطوط الهندسية لبقية المعرض، جرى مد الشارع المشاكل على النحو العشوائي المميز للسوق الشرقية. ……. وقد اشمئز الزوار المصريون من هذا كله ونأوا بأنفسهم عنه. وكان آخر حرج يتعرضون له هو الدخول من باب المسجد واكتشاف أنه مجرد واجهة خارجية أما الداخل فهو قهوة لراقصات مصريات!!
وبعد 18 يومًا في باريس، واصل الوفد المصري طريقه إلى ستوكهولم لحضور مؤتمر المستشرقين…… وكما لو كانوا لا يزالون في باريس، وجدوا أنفسهم أشبه ما يكونون بمعرض…. وحسب تيموثي ميتشيل:
“لم يكن المعرض والمؤتمر المثلين الوحيدين لهذه السخرية الأوروبية. فطوال القرن 19 وجد الزوار غير الأوروبيين أنفسهم معروضين أو موضوعين بشكل دقيق كموضو للفضول الأوروبي”…. وظاهرتا: “الفرجة” و”الحط من شأن البشر” تقدمان مثالًا لطبيعة الدولة الأوروبية الحديثة. …. وهذه السخرية، والكلام لميتشيل أيضًا، “مفتاح لحل اللغز، لأنها تتخلل مجمل تجربة الشرق الأوسط مع أوروبا في القرن 19”.
المصطلح والمفهوم:
إن تكن العادة قد جرت في مثل هذه الدرسات أن يكون البدء بالتعريف سابقًا على ما سواه، فإن الحجم الهائل من الجدل حول الظاهرة وما دفع إليها (حقيقة أو افتراضًا)، وما نجم عنها فعليًا من نتائج شملت حقولًا معرفية تمتد من الدراسات اللغوية إلى الدراسات الدينية إلى التاريخ إلى الفن، إلى غيرها من العلوم، يجعل وضع القاريء في تقديرنا أمام حقيقة هذا الجدل، باختصار، مدخلًا لا غنى عنه. وقد برزت محاولة التماثل بين الشرق والغرب على أعتاب مرحلة من تطورهما الثقافي (على تخوم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر)، وكانت قد شهدت تقاربًا وتبادلًا ثقافيًا بين طرفين متناقضين.
وحسب: “موسوعة المنجد” فإن “المستشرق: العالم باللغات والآداب والعلوم الشرقية”. ومن الناحية اللغوية، فإن السين والتاء إذا زيدتا في كلمة قصد منها الطلب (مثل: استغفر أي طلب الاستغفار، واستنصح أي طلب النصيحة)، وعليه، فإن “الاستشراق”: “طلب علوم الشرق وآدابه”. و”المستشرقون”: “قوم من غير الشرقيين تخصصوا في دراسة الشرق من جوانبه كافة”.
وثمة من يربط “مفهوم الاستشراق” (لغة) بالجغرافيا وحسب، فهو من الشرق عمومًا (أقصاه ووسطه وأدناه)، وشرق البحر المتوسط خصوصًا، ومن شروق الشمس (فلكياُ)، وللمفهوم عدة تعريفات منها أنه علم متكامل قائم على: “دراسة آثار الحضارة الشرقية، المادية والروحية، بما يشمل: علم الاقتصاد والتاريخ والجغرافيا والسياسة والآداب والفلسفة والأديان والفنون و”الإثنوغرافيا” وغيرها”.
ومن تعريفاته أيضًا: “دراسة/ تدريس/ الكتابة عن/ التعريف بلغات/ لهجات/ علوم/ شعوب الشرق، وطبائعهم، ومعتقداتهم، وتراثهم، وثقافتهم، وحضارتهم، وخصائصهم العمرانية والفنية، والرحلة إليهم. لكن علي طول مسيرته/ وأحداثه، وصوره (الديني/ الأيديولوجي/ الإمبريالي، والتاريخي، والثقافي، والفني، والأنثربولوجى، والاجتماعي، والإعلامي، والسياحي الخ.) ـ كان الاستشراق ولا يزال ـ جزءًا لا يتجزأ من قضية “التدافع” الثقافي/ الحضاري بين الغرب والشرق، فهو يمثل “الخلفية الفكرية لهذا التدافع”.
وفي المدخل المعنون: “الاستشراق” في الموسوعة العربية العالمية، أن الكلمة لم ترد في أي من المعاجم العربية القديمة، وربما كان “متن اللغة” للشيخ أحمد رضا المعجم العربي الحديث الوحيد الذي يشير إلى واحد من مشتقاتها هو معجم، حيث أورد فعلها: “استشرق” وأتبعه بشرحه له وهو: “طلبَ علوم الشرق ولغاتهم” واصفًا الكلمة بأنها “مولدة عصرية”، تُطلَق على من “يعنى بذلك من علماء الفرنجة”. والفعل: “استشرق” العربي مشتق من كلمة” “الاستشراق” المترجمة لكلمة “orientalism” الإنكليزية و”orientalisme” الفرنسية، الحديثتي العهد، واستخدمت كلمة “مستشرق” ترجمة لكلمة “orientalist” لتصف المشتغل بهذا الحقل المعرفي. وأول استعمال لكلمة: “مستشرق” في اللغات الأوربية يعود إلى عام 1630 عندما أطلق على أحد رجال الكنيسة.
ومن يتتبع مصطلح “الاستشراق” في الثقافتين العربية والغربية يلاحظ أنه يستخدم ليشير إلى جملة أمور من أهمها: “البحوث في مختلف أنواع المعارف والعلوم التي أنتجها المتخصصون بدراسة الشرق، وكتب الرحلات وسواها التي أنتجها من اتصلوا بالشرق من دبلوماسيين ورحالة ومبعوثين وموظفين في دوائر الدول الغربية التي استعمرت مختلف أقطاره مددًا متفاوتة وبدرجات مختلفة”، وبخاصة في القرنين 18 و19.
“كما يشير إلى النزعة التي غلبت على فن الرسم الأوربي التي قامت على استلهام الشرق باتخاذه موضوعًا فنيًا أثيرًا لديها”. ومعنى هذا كله أن “الاستشراق” في جوهره معرفة ينتجها، غير الشرقي، عن الشرق، وهذه المعرفة قد تتخذ صورة الإنشاء في البحوث والكتب وصورة العمل الفني (اللوحة أو القطعة الموسيقية أو ماشابههما)، وأن إنتاج هذه المعرفة تحفزه المواجهة التي تقوم بين غير المجتمع الشرقي والشرق، وأن هذا الإنتاج يستهدف خدمة مجتمعات غير المجتمع الشرقي في هذه المواجهة. و“الاستشراق معرفة ينتجها غير الشرقي عن الشرق، تحفزه على ذلك المواجهة بين مجتمعه أو قومه أو دولته أو امبراطوريته أو جماعته الدينية من جهة والشرق من جهة أخرى. ومعنى هذا أن تاريخ هذه المعرفة مرتبط على نحو عضوي بتلك المواجهة”.
والمعرفة الاستشراقية المحفوزة بالمواجهة المذكورة لم تتبوأ مكانة بارزة إلا بدءًا من القرن 11 الميلادي الذي عرف بداية حركة استعادة كل من شبه الجزيرة الأيبرية وصقلية من يد العرب المسلمين، هذه الحركة التي حفزت على الاهتمام بالعرب والمسلمين وعقائدهم وتاريخهم وثقافتهم لأسباب سياسية ودينية وأيديولوجية وعلمية كذلك. وقد تعزز هذا الاهتمام بنشوب الحروب الصليبية إذ كان من الضروري في نظر من كان وراءها فهم معتقدات المسلمين وممارساتهم الدينية وسواها ومواجهتها بوصفها بدعًا تجب مناهضتها، وربما السعي إلى تحويل معتنقيها إلى المسيحية.
وكانت الترجمات المبكرة للقرآن الكريم، بدءًا من ترجمته إلى اللاتينية ترجمة مشوهة عام 1143 البداية الحقيقية للإنتاج الجدي للمعرفة الاستشراقية وبحجم لم تعرفه القرون الماضية. وسرعان ما تنبه منتجو هذه المعرفة إلى ما تنطوي عليه المؤلفات العربية والإسلامية من ثروة معرفية كانوا في أمس الحاجة إليها. ولاحقًا ظهرت ترجمات لكتب منها: “الشفاء” لابن سينا والجبر للخوارزمي في القرن 12.
وحيث وجد الإسلام عقيدةً ومبادئ وقيمًا ومثلًا كان الموقف الغربي سلبيًا مشحونًا بالتعصب والخرافات والأساطير الشعبية، وحيث وجد الإسلام مهدًا للعلم والطب والفلسفة كان الموقف الغربي إيجابيًا. وكانت فصول المواجهة المتتالية تعزز باستمرار الموقف الأول الذي كاد يطبع كل معرفة بطابعه حتى نهاية القرن 17.
وكان الاستثناء الوحيد فريدريك الثاني الصقلي الذي لم يتخذ هذا الموقف المزدوج تجاه الإسلام والعرب والمسلمين آنذاك. وشهد القرن 16 تشجيعًا ملحوظًا من البابوية الرومانية على تعلم اللغات الشرقية لأسباب تبشيرية، فضلًا عن أهمية ذلك في مسألة إعادة التوحد مع الكنائس المسيحية الشرقية التي كانت تستخدم العربية أو السريانية أو القبطية لغة للشعائر الدينية. كما شهد إنشاء أول كرسي للغة العربية في “الكوليج دوفرانس” عام 1539 وأول مطبعة عربية عام 1586 في رومة. ومع حلول القرن 18 تحول الاستشراق إلى مؤسسة ضخمة سعت أوربا عن طريقها إلى السيطرة على الشرق سياسيًا واجتماعيًا وعسكريًا وأيديولوجيًا وعلميًا في مرحلة ما بعد عصر التنوير.
ولعل من أهم التطورات التي لحقت مؤسسة الاستشراق هذه في أواخر القرن الثامن عشر، أي منذ بداية عملية توظيفه توظيفًا منظمًا واعيًا لتسهيل السيطرة على الشرق ومقدراته، تأليف الجمعيات والروابط والتجمعات التي عززت أهميته في المجتمعات الأوربية المنتجة له. وكان إنشاء “مدرسة اللغات الشرقية الحية عام 1795 في فرنسا بداية ظهور مؤسسات لا تكاد تحصى في المجتمعات الغربية لتدبّر الشرق من جميع نواحيه، وإقامة حقل معرفي خاص به هو الاستشراق الذي ظهر مصطلحًا في معجم الأكاديمية الفرنسية عام 1838م. وتلا ذلك:
- في هولندا في عام 1778، تأسست أول جمعية علمية لدراسة الشرق (الجمعية البتافية للفنون والعلوم”.
- في باريس تأسست عام 1822 “الجمعية الآسيوية” وأصدرت مجلتها: “المجلة الآسيوية”.
- في أيرلندا في عام 1823م ظهرت “الجمعية الملكية الآسيوية لبريطانية العظمى وإيرلندة” وأصدرت “مجلة الجمعية الملكية الآسيوية لبريطانية العظمى وإيرلندة”.
- تأسست عام 1842 “الجمعية الشرقية الأمريكية” وأصدرت “مجلة الجمعية الشرقية الأمريكية
- في ألمانية تألفت “الجمعية الشرقية الألمانية» في عام 1845، وأصدرت مجلتها العروفة اختصارًا بـ “ZDMG“.
- ظهرت في أوربا وأمريكا الشمالية دوريات كثيرة تعنى بالشرق وشؤونه، أقدمها مجلة “صندوق الكنوز الشرقية”.
- استمرت هذه التجمعات والدوريات في أداء مهمتها في إنتاج المعرفة المتصلة بالشرق، ونشرها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، لتشهد المرحلة التي تلتها قيام تجمعات جديدة، وتطورات نوعية مهمة في طبيعة الدوريات المرتبطة بها، أو تلك التي ظهرت بعيدًا عن أي تجمع مهني.
- في عام 1946 ولدت “رابطة المستشرقين البريطانيين”، ثم ظهرت تجمعات أقل شمولًا ودوريات أكثر تخصصًا:
- ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية “رابطة شمالي أمريكا لدراسات الشرق الأوسط” عام 1966.
- في عام 1973 ظهر النظير البريطاني لها عندما تأسست “الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط”.
- النظير الفرنسي للتجمعين السابقين هو “الرابطة الفرنسية لدراسة العالم العربي والإسلامي”.
- “جمعية الدراسات المغربية» (عقدت مؤتمرها التأسيسي في 9 أكتوبر 1990) و”الرابطة الأوربية لدراسات الشرق الأوسط” وتأسست في العام نفسه، من أواخر هذه التجمعات المهنية الحديثة.
- مجموع ما ألفه المستشرقون بين عامي 1800و 1950، مما يتعلق بالشرق الأدنى، يتجاوز 60 ألفًا من المجلدات.
وقد شكل الاستشراق اهتمامًا مزدوجًا، وولد آثارًا فكرية وثقافية، وردود أفعال علي كلا الجانبين. فمقارنة بين عالمين “الشرق، والغرب”، يعرض خلالها المستشرق عالمه الغربي، وينغمس فى (طلب) الشرق، والتعريف بآدابه وفنونه وتاريخه وثقافته. ولعل في “الوجه الأكاديمي” للاستشراق، المتسم بالأسس العلمية مستوي أعلي من الحياد والتجرد، إذا ما قورن بآخر: فكري (لعل الأعمال الفنية الاستشراقية تندرج في إطاره)، قائم علي “تمييز وجودي ومعرفي”، يطلق بعض “الأحكام والنظريات والتنميط” علي الشرق. أو وجه ثالث: يهدف إلى السيطرة/ السيادة/ الهيمنة/ التقسيم/ الاستنزاف لموارد وثروات الشرق، ناتج عن قوي سياسية توسعية في الغرب.
وفي الممارسة السياسية المباشرة، فإن كلًا من آرثر جيمس بلفور واللورد كرومر، على سبيل المثال، وظف العديد مِنْ الألفاظ للتعبير عن هذا الاختلاف، “فالشرقي غير عقلاني، وسَاقِط، وطفولي؛ بينما الأوروبي عقلاني، ومستقيم، وناضج”، وفي لفتة موحية تتصل بـ “الصورة” التي يراد “تسويقها”، كانت بريطانيا تستدعي وكلاءها للتَقَاعُد من المستعمراتِ البريطانيةِ حين يبلغون سن الخامسة والخمسين، لأن “الشرقيينَ ما كان لهم أن يروا الغربي شائخا ومنهدا، كما لا ينبغي أن يشعر الغربي بأنه أصبح في عيون الخاضعين له إلا يافعًا، يقظًا، عقلانيًا، نشطًا”.
وأقوى دافعٍ حرّضَ الإنجليز على السفرِ والترحال إلى الشرقِ كَانَ الدين. فقد قدموا إلى الشرق بَحْثا عن جذورِ المسيحيةِ، التي بوصولِ الاكتشافِ العلمي والماديةِ الجديدةِ، أصبحت في خطر. ومن بين أهم هؤلاء “الحجاجِ”، تشارلز داوتي الذي كان أكثرهم تحمسًا وتزمّتًا. وإحساسه بالتفوقِ الدينيكَانَ ممزوجا بمقته للإسلامِ، ففي أثناء رحلتِه في الجزيرة العربية، التقى مسافرًا إيطاليًا كان قد تَحوّلَ إلى الإسلامِ وحين علم داوتي بذلك قال بسخط: “ما أدهشَني أن أحدا ولد في البلادِ الرومانيةِ، وتحت اسمِ السيد المسيح، كيف يَتْرك هذه الامتيازاتِ، ليصبحَ أخًا للبرابرة الآسيويينِ في دينٍ أحمق!”.
ووليام بالجريف كَانَ مبشّرا يسوعيًا أرسِلَ إلى بلاد العرب في مهمّةٍ سياسيةٍ، وحديثُه عن العرب مُصْطبغٌ بالسياسة وعقيدة التبشير المسيحي في القرن 19. لذا، فإنه كعميل سياسي لقوَّة أوروبية، كان مهتما بدَعْم المطامع الاستعمارية في العالم العربي. على سبيل المثال، في مقدّمتِه لكتابه: “قلب بلاد العرب”، يَذْكرُ بالجريف الهدفَ الخاصَّ مِنْ رحلتِه وهو “الرغبةَ في جَلْب الماءِ الراكدِ للحياةِ الشرقيةِ وتوصيله بالنهر المتدفق للتقدّمِ الأوروبي”، وكمبشّر، كَانَ يتعمد الإساءة للإسلام مدعيًا أنّ العرب لا يَستطيعونَ أَنْ يتحضروا “ما لم يُخلّصوا أنفسهم من قبضةِ الإسلامِ”، و”حين تختفي مكة والقرآن مِنْ بلاد العرب، فثمّت في ذلك الوقت فقط، نستطيعُ أن نتوقّع بجدية رؤية العرب يتخذون مكانا في صفوفِ الحضارةِ التي أخرهم عنها ردحا من الزمن محمد وكتابه، أكثر من أي سبب آخر”.
مسار تاريخي لتحولات المفهوم:
ثمة من يرى أن “قيام العالم الإسلامي بالمحافظة على تراث القدماء (اليونان وغيرهم) في مجالات: الفلسفة، والرياضيات، والطب، والفلك، والعلوم الطبيعية، وبإثرائها، حثَّ الأوروبيين على الترجمة من العربية إلى اللاتينية”. لكن الطموحات التبشيرية للكنيسة الكاثوليكية واتحاداتها كانت في أمس الحاجة إلى مبشرين تتلمذوا لغويًا، “مشكلين بذلك الباعث الأول على طريق الدراسة الجادة للغة العربية في أوروبا التي بلغت ذروة ازدهارها في إسبانيا أيام تيار الإنسانية الإسباني المبكر، وقدمت الحرف المطبعي العربي. …. وكان للاهتمام الذي أزكته حركة الإصلاح الديني لدراسة الكتاب المقدس وإصحاحاته الشرقية أثره الإيجابي على الدراسات العربية أيضًا”.
والعلاقات السياسية والاقتصادية للقوى الكبرى مع الدول الإسلامية كانت العامل الأكبر وراء الاهتمام باللغة العربية. انتزعت هولندا زمام المبادرة في الدراسات العربية مع بداية القرن 17 لمدة تقارب القرنين. فقد عرف الهولنديون أهمية الاستشراق نتيجة توسع تجارة بلادهم مع الهند ولمسوا فوائد معرفة اللغات الشرقية ومنها العربية حيث قام توماس اربنيوس بدراسة العربية والتعمق فيها حتى تمكـَّن من وضع مختصر لقواعد اللغة العربية في إطار منهجي منظم سنة 1597م. وفي عام 1617 ترجم ونشر كتاب: “الجرومية والمائة عامل” للجرجاني. وقد حققت إنجازات اربينوس لهولندا قفزة جبارة في حقل الدراسات العربية، بحيث أثارت حسد الدول الأوروبية الأخرى فبدأت تعمل للحاق في الركب مجددًا.
وكلف بعض العرب المقيمين في باريس بترجمة مؤلفات عربية وكلدانية وترجم السفير الفرنسي في مصر أندريه دوريه القرآن إلى الفرنسية سنة 1647. وتتابعت على موقع: “الفاعل الأكثر تأثيرًا” في حركة الاستشراق أطراف أوروبية عديدة. وبعد نجاح الثورة الفرنسية 1789، انتزعت فرنسا الريادة في مجال الدراسات العربية.
وحسب المستشرق الفرنسي دانيال ريغ صاحب كتاب: “الانسان المستشرق” فإن ما يميز المستشرق المعاصر عن مثيله في القرن 19 هو: أولًا، الناحية الكمية، ففي الماضي، كان تعليم العربية، لغة وثقافة، محصورًا في باريس. كانت هناك ثلاث مؤسسات تعليمية، واقتصر الامر على اثنين في ما بعد: “الكوليج دي فرانس” وكانت لهذه تقاليد طويلة تعود الى بداية القرن السادس عشر، و”المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحيّة” التي تأسست سنة 1795 في عهد الثورة الفرنسية.
وقد أغلقت “مدرسة المترجمين” أبوابها في منتصف القرن 19 لانها كانت تقوم بعمل مضاعف مع مدرسة اللغات الشرقية. على كل حال، لم يكن عدد المتعلمين السنوي يتجاوز العشرين طالبًا. حاليًا، يوجد ما يقارب 20 مؤسسة جامعية يُعلّم فيها الأدب العربي ولغته، دون أن نذكر عشرات المعاهد والمدارس التي تقوم بالعمل ذاته. ثم هناك الناحية النوعية من الموضوع، ففي الماضي لم يكن للمستشرق أن يختص بمادة واحدة. كان التأهيل يتضمن تعلّم التركية والفارسية والعربية لغات وحضارات. وحسب الأذواق كان في مقدور المستشرق أن يصير أستاذًا في إحدى هذه اللغات أو في اثنتين منها، وعلى سبيل المثال فإن رائد الاستشراق الفرنسي سيلفستر دي ساسي (1758، 1838) كان أستاذًا لمدة 30 سنة للغة الفارسية في الكوليج دي فرانس، وفي الوقت ذاته للغة العربية في مدرسة اللغات الشرقية. وأيضًا المستشرق إتيين كاترمير 1782، 1857 أول من اكتشف ابن خلدون وطبع مخطوطة: “المقدمة” لأول مرة سنة 1834، كان بدأ مهنته كأستاذ بتعليم اللغة والآداب اليونانية، ثم صار أستاذًا للغات الكلدانية والسريانية والعبرية والفارسية.
وفي القرنين 19 و20، كان لمصطلح: “المستشرق” معنىً ثقافيًا وعلميًا على حد سواء. فالمستشرقون الثقافيون، وضمنهم الرسامون والكتّاب، هم أولئك الذين يستمدون إلهامهم من الشرق. أما المستشرقون العلميون فهم المتخصصون باللغات والثقافات الشرقية، لتمييزهم عن المتخصصين باللغات والثقافات الكلاسيكية (اللاتينية واليونانية). وحتى نهاية القرن 19، كان مصطلح المشرق يمثل الشرق الأدنى تحديدًا، لكنه كان يتضمن ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية، وعند الفرنسيين، شمالي أفريقيا أيضًا. وخلال القرن 19 وأوائل القرن 20، توَّسع نطاق مفهوم المشرق ليشمل آسيا كلها. وحتى بداية الحرب العالمية الثانية، كان الاستشراق يدل في معناه الأوسع على اتجاه ثقافي محدد في أوروبا وأميركا الشمالية.
وحسبما يذكر شاكر النابلسي في موسوعته حول الفكر العربي في القرن 20 فإن إحصاء المستشرقين يكاد يكون مستحيلًا لكثرتهم ولوفرة المؤسسات الاستشراقية في العالم. وفي ذلك يذكر عبد الرحمن بدوي أنه يكفي أن يعلم المرء أن مجرد السرد الببليوجرافي للمستشرقين يمكن أن يستغرق وحده أكثر من 1000 صفحة. وقد أورد نجيب العقيقي عام 1937 في كتابه: “المستشرقون” تفاصيل بيوغرافية وبيبلوغرافية مستفيضة عن أكثر من 1500 مستشرق.
وثمة من يرى أن هناك تيار استشراقي يمثله أدباء ورحالة لم يكونوا في الأصل يعملون في مؤسسة أكاديمية، ولم يصاحبوا أو يستكشفوا لحساب جيش غاز. وهؤلاء يبحثون عن “الفرار من عالم يخنقهم ويتصورون أنهم في عصر الثورة الصناعية والعقلانية الخانقة سيجدون في الشرق العربي الإسلامي ما يفتقدونه في مجتمعاتهم، ويبحثون عن الغرائب والطرائف والعجائب في بلاد الشرق بين ذخائره وآثاره”.
إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.
أخبار بلا حدود الاخبار على مدار الساعة