مضيق هرمز… عندما تصبح السفن رهائن الجغرافيا وإقتصاد عالمي تزعزعه فوضى بحرية – مقال محمد سبع

سبع محمد
 

أخبار بلا حدود- يبدو مضيق هرمز على الخريطة كخطٍّ جغرافي رفيع يمكن تجاوزه بنظرة عابرة أو لمسة إصبع؛ لكنّه في الواقع يشبه زرّ الطوارئ الذي إذا ضُغط عليه اهتزّ الاقتصاد العالمي كله، هنا لا تمر السفن فقط؛ بل تمر معها شحنات القلق؛ وأسعار الطاقة؛ وطمأنينة الأسواق التي تتبخر أسرع من وقود ناقلة متعثرة، العالم الذي يتباهى بسرعات الإنترنت الفائقة والذكاء الاصطناعي؛ ما يزال ينتظر بصبر سفينة تعبر ممراً ضيقاً وكأنّ الحضارة الحديثة قررت أن تضع قلبها في ممر مائي وتطلب منه ألا يتوقف عن النبض.

تاريخ هذا المضيق ليس سوى سجل طويل من الطامعين الذين اكتشفوا أنّ السيطرة على هذا المكان تعني إختصار الطريق إلى الثروة، من الإمبراطوريات القديمة التي مرّت بسفنها الخشبية إلى القوى الاستعمارية التي جاءت بمدافعها ومعاهداتها؛ ظل المشهد يتكرر بإخراج مختلف ونص واحد: من يمسك بالمضيق يمسك بخيط التجارة، البرتغاليون بنوا الحصون والبريطانيون رسموا النفوذ وغيرهم حاولوا؛ لكن المضيق بقي ثابتاً لا يتغيّر إلا بمن يمرّ عليه؛ تتبدّل الوجوه وتتناوب القوى؛ بينما يظلّ هو كخشبة عرضٍ دائمة تُقدَّم عليها استعراضات النفوذ عبر الزمن.

ثم جاء النفط؛ ليحوّل هذا الممر من طريق مهم إلى شريان لا يمكن الاستغناء عنه، فجأة، لم تعد السفن تحمل بضائع عادية؛ بل تحمل ما يُشغّل العالم بأسره، هنا بدأت الكوميديا السوداء: كوكب يعتمد على ممر واحد لنقل جزء كبير من طاقته؛ ثم يتفاجأ كل مرة عندما تتعطل الحركة فيهأ أي خلل بسيط يتحول إلى أزمة عالمية؛ وأي توتر سياسي يصبح خبراً اقتصادياً عاجلاً، إنّها معادلة بسيطة: كلما ضاق الممر؛ اتسع القلق.

مضيق هرمز… عندما تصبح السفن رهائن الجغرافيا وإقتصاد عالمي تزعزعه فوضى بحرية – مقال محمد سبع
 

في الظروف الراهنة، يبدو المشهد أكثر قتامة… وأكثر سخرية في آن واحد، حرب تشتعل؛ حصار بحري يُفرض وألغام مزروعة؛ تجعل البحر نفسه يبدو وكأنّه يفكر قبل أن يسمح للسفن بالمرور، فجأة؛ لم يعد الحديث عن “حرية الملاحة” شعاراً نظرياً،؛ بل اختباراً عملياً في بيئة أقرب إلى حقل ألغام اقتصادي، السفن التي كانت تعبر يومياً بالعشرات؛ أصبحت تُعدّ على الأصابع؛ وبعضها يفضّل الانتظار على المخاطرة، أما آلاف السفن العالقة؛ فهي لا تنتظر إذناً بالمرور فقط،؛ بل تنتظر نهاية لعبة سياسية أكبر منها بكثير.

الحصار البحري، الذي يُفترض أنّه أداة ضغط؛ تحوّل إلى مشهد عبثي بامتياز، جهة تفرض القيود؛ وأخرى تردّ بالتصعيد؛ بينما تقف التجارة العالمية في المنتصف؛ عمليات التفتيش؛ تحويل المسارات؛ والاشتباه في الشحنات… كلها تفاصيل تجعل من كل رحلة بحرية مغامرة غير مضمونة النتائج، وحتى عندما يُعلن عن فتح المضيق؛ يبقى السؤال: هل هو مفتوح فعلياً أم مفتوح “نظرياً” فقط؟

الألغام البحرية تضيف طبقة جديدة من السخرية الثقيلة، لا أحد يراها؛ لكن الجميع يخشاها، مجرد إحتمال وجودها كفيل بإيقاف الملاحة أو على الأقل إبطائها إلى حد الاإختناق، شركات التأمين؛ التي كانت تحسب المخاطر بالأرقام؛ بدأت تحسبها بالحدس؛ وبعضها انسحب ببساطة؛ تاركاً السفن تواجه مصيرها، وهنا يتحول المضيق إلى منطقة رمادية: ليس مغلقاً بالكامل؛ لكنه أيضاً ليس آمناً بما يكفي ليعمل بشكل طبيعي.

الأسواق العالمية؛ كعادتها؛ لا تنتظر التأكيدات؛ بل تتغذى على الشكوك، أسعار النفط ترتفع؛ ليس لأنّ الإمدادات توقفت بالكامل؛ بل لأن احتمال توقفها أصبح وارداً، المستثمرون يتصرفون كما لو أنّ الأزمة واقعة بالفعل؛ لأن تكلفة الانتظار قد تكون أعلى من تكلفة المبالغة في رد الفعل، وهكذا؛ يصبح الخوف نفسه محركاً للسوق؛ وتتحول التوقعات إلى واقع اقتصادي ملموس.

الدول المستهلكة؛ خاصة في آسيا؛ تجد نفسها في وضع لا تُحسد عليه، اقتصاداتها تعتمد بشكل كبير على تدفقات الطاقة عبر هذا المضيق؛ وأي اضطراب فيه يعني إرتفاع التكاليف وتراجع النمو، حتى القطاعات الصناعية والزراعية لا تسلم من التأثير؛ إذ تتعطل سلاسل الإمداد؛ وترتفع أسعار المواد الأولية؛ ويتحول كل تأخير في الشحن إلى مشكلة إنتاجية، العالم مترابط إلى درجة أن تعثر سفينة في هذا الممر قد يؤثر على مصنع في قارة أخرى.

في خضم هذه الفوضى المنظمة؛ تتحرك القوى الكبرى وكأنّها تدير مباراة طويلة لا نهاية واضحة لها، كل طرف يلوّح بالقوة؛ ويتحدث عن حماية الملاحة؛ لكنه في الوقت ذاته يسعى إلى فرض شروطه، الحصار يصبح أداة تفاوض؛ وفتح المضيق يصبح مكسباً سياسياً؛ بينما تبقى السفن مجرد وسائل نقل تتحول إلى أوراق ضغط، والمفارقة الأكبر أنّ العالم يمتلك بدائل جزئية؛ لكنه لا يملك بديلاً حقيقياً، خطوط الأنابيب لا تكفي؛ والممرات الأخرى أكثر كلفة أو أقل قدرة،

في النهاية؛ يقدم مضيق هرمز مشهداً مكثفاً لهشاشة النظام العالمي؛ ممر ضيق؛ حرب مشتعلة؛ حصار بحري؛ وألغام غير مرئية، وكل ذلك يكفي لإرباك اقتصاد عالمي بأكمله، وبينما تتبادل القوى الكبرى التصريحات والضغوط؛ يبقى العالم في وضع الانتظار؛ يراقب؛ يحسب الخسائر؛ ويتمنى أن تعبر السفن بسلام.

وهنا تتجلى سخرية يصعب التغاضي عنها: عالم بلغ أقصى درجات التعقيد والتطور؛ لكنه ما يزال رهين ممر مائي ضيق؛ فيما يبدو الاقتصاد العالمي؛ رغم حجمه الهائل، أنّه شديد الهشاشة إلى حدّ يمكن أن يتعثر ويختنق عند أول اختناق جغرافي بسيط.

محمد سبع – الجزائر

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

احمد لطفي شاهين

متى نكبر في العمر – د.أحمد لطفي شاهين

أخبار بلا حدود- فلسطين المحتلة هل نكبر عندما يشيب الشعر؟ او يشير التاريخ إلى يوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *