سميرة بيطام: احترموا صرخات الأبرياء ..لقد بلغ السيل الزبى

سميرة بيطام
 

أخبار بلا حدود- حين أرغب في كتابة موقف متزن مدافع عن الحق لمن ليس لديهم محامي ولست مكلفة بالدفاع عنهم من واقع مهنة المحاماة ولا من واقع انتمائي كجزائرية تحب  المبادىءوالقيم والثوابت وتكره الظلم والحقرة والتسويف والاستهزاء وكل أشكال المسخرة، بل من موقع أن الحادثة فعلا كانت مؤلمة ومحزنة، لذلك  أنزع قبعتي الأكاديمية  وأفضل أن أكتب بإنسانيتي التي  تنبع من مشاعر ومواقف لا تسمح لكياني أن ينزل الى سفاسف الأمور ،طبعا لا نزول لمن يريد جرنا الى مستنقع الرداءة واللعب على كف عفريت وترك المشهد بغموضه، فهذا الغموض هو الهدف وهو الرغبة وهو المطلب، فالغباء يعجب أهل الظلم والغرور والانبطاح حين يستدعي الأمر انبطاح لحدث ما.

ان مشاهد محرقة مؤسسة الطفولة المسعفة والتحليلات الأولية المقدمة لمسامعنا ولعيوننا تجعلنا نشعر فعلا أننا منفصلون نحن عن الواقع أو ربما الواقع هو من انفصل عنا.

حين نتكلم أو نكتب من انسانيتنا،  فان صوت الحق هو من يعلو وليس صوت الهوى أو صوت النفاق أو الكذب أو اللف بلفاف السطحية من أجل السطحية وكفى .

ان الشرارة الكهربائية التي أحرقت أجسادا يتيمة في كم من مناسبة وما أكثرها في الجزائر ، ولا داعي لذكرها،  فالجزائرين يتذكرون فواصلها وضحاياها حتى لو نسوا تواريخها، لأن العقل الجزائري ربما  ينسى الرقم، لكنه لا ينسى الدم والروح، لأنه عقل يقظ وذكي كفاية، ولا أحد يمكنه جره نحو المغالطات.

دائما تكشف الشرارة الكهربائية عن أن سبب الموت يعود اليها، ولا يهم مقارنة عدد  الضحايا بحجم الشرارة ، ولا يجب الانتباه عن طاقم الأمن الإداري في المؤسسة ولا مخارج النجدة، فلا تسألوا عنهم ،لأن الشرارة هي السبب ، وهذا يكفي لمعرفة أسباب الواقعة المؤلمة ، واذا عرف السبب بطل العجب.

ما هكذا تُدار قضايا الضعف والقهر والظلم حتى لو لم يكن الفعل متعمدا، ما هكذا يتم تقييم الحوادث والجرائم وما أكثرها، ما هكذا يتم التعامل مع خسائر يفضل البعض تصنيفها ضمن أدراج الأرشيف ليسكت الجميع وتعود الحياة لمجاريها، وهل حقا ستعود الحياة وبالأمس فقط حزنت السماء على تفحم  أجساد يتيمة؟، لا نبالغ في الوصف ولا نكتب من منطق العاطفة الجياشة ، فالكاتبة انسانة لها رقة حس مختلف عن حس البقية ربما ، لكن أصدقكم القول أني من موقف أن اليتم وحده لم يمرر هذه الحادثة مرور الكرام، يا سادة ويا سيدات المجتمع الفاضل في الجزائر، جزائر القارة والرجال والمواقف والشهامة والأنفة، وقد بات فيها الفاضل الجدير عليلا والمقاوم الشهم الفصيح متلعثما والغيور الشريف المستقيم متنحيا ، صوت الحق يعلو ويدلي بحقيقته.

اننا اليوم مدعون لأن نساءل هذه الشرارة الكهربائية مساءلة صحيحة ونساءل من عليه أن يقدم لنا البديل لنهدأ من وجع حادثة الحريق التي عصفت ب11 يتيما، فماذا بعد الوصول الى أن الشرارة  الكهربائية هي السبب؟، هل يمكننا نسيان الأبرياء ومن لحقوا بهم وهم يحاولون انقاذهم؟، أليس حراما أن لا نقف وقفة حقيقية تجاه لسعة هذه الشرارة لفهم شيء واحد: أين كان طاقم الإدارة وأين كان أعوان الأمن لإنقاذ الأطفال فور ظهور الشرارة؟،ولماذا في كل مرة المواطنون يتدخلون ثم يصابون، أما الحلول المقترحة فهي تأتي فيما بعد وطبعا بصرامة، لأن كلمة صرامة توضح أن المسؤول قلق ومستاء ، ونقدر هذا الجهد ولكن لماذا يأتي متأخرا ككل مرة؟.

لا يهم  ما سيتم اتخاذه من إجراءات لأن مراسيم الدفن تمت وصوت الأطفال سكت ولم يبقى في المؤسسة الا دخان جدرانها وسواد تفحمها ، وما هو مطلوب في هذا الظرف الصعب هو احترام تضحيات الأبرياء حتى لو يلبسوا جميلا ولم يأكلو كثيرا ، حتى لو حرموا حنان الوالدين وسند الأهالي ورفقتهم ، نحن هنا لندافع عنهم حتى لو تم دفنهم تحت التراب ماضون الى جنة ربهم ينعمون،  والإنسانية تقف وقفة متعظ ومتدبر لمثل هكذا مواقف آخذا كل واحد منا  العبرة من ابتلاءات الله ومن محن الحياة، حتى لو بدت غير منصفة هذه الحياة ، وهي حقا غير منصفة في  فرصها الظاهرية، أقول الظاهرية ، لأن الله سوى بين خلقه في الأرزاق  ، الا أن بعض الفوارق التي نشاهدها تؤلمنا فعلا، فأبناء المسؤولين وأبناء الأكابر ليسوا كالأيتام والمحرومين والمظلومين، ونحن نتواجد بإذن الله حيث توجد الفئة المحرومة والمظلومة والمستضعفة، في جزائر تم حل الكثير من مشاكل الأكابر بالهاتف أحيانا دون التنقل أو المشي مسافات طويلة أو تحمل  عناء حل المشكلة ببذل جهد ،  فالحلول  وفرتها مناصب الأولياء  وجيوبهم وأفكارهم، لكن اليتامى ليس لهم سوى الله ومن بعد الله مساعدات المحسنين .

فاحترام تضحيات هذه البراءة وغيرهم كثر يتواجدون في مواقع الصبر والاحتساب والتفويض لله هو أقل سلوك يمكننا القيام به.. يليه احترام العقول التي لا تقبل التسويف أو التضليل ، بلغ السيل الزبى في مظالم تتكرر ،أما بالإهمال أو الظلم العمدي واما بسرقة الفرص لأصحابها الحقيقيون ، ولا أظن الجزائر ستبقى تبتلع المزيد من الجراح التي تندمل في كل مرة ، فقط الاختلاف في المكان وعدد الضحايا والسبب معظمه يتكرر.

من موقعي المتواضع : لا زلت أبحث  عن العدل ولا أعرف متى يظهر ليحكم ويسود وينصف.

وقفة احترام مني لأجساد البراءة التي احترقت في عز الفجر بزوغا..ويقين بعد الفجر شمس تنير العالم المظلم والجائر في كل مكان  لتخبره أن الأبرياء عند  ربهم احياء يرزقون، سوء أبرياء الجزائر أم أبرياء غزة .

لا زلنا لن نصل بعد لأن نعطي كل ظرف حقه من الاهتمام والمسؤولية ، وبما أن السيل بلغ الزبى ، فعلى كل من له ضمير حي أن يراقب سلوكه ومواقفه تجاه المستضعفين ، فكلنا معنيون بإنصاف الحقيقة والدفاع عن الأبرياء ، وللمسؤولين واسع النظر من مستوى مهامهم وليس لنا أي دخل في ذلك، فالحدود محترمة والأمانات تم قبول تحمل ثقلها وليس لنا شأن فيمن قبل عن قناعة أن يكون مسؤولا ، لكن من حقنا الدفاع عن الأطفال الأبرياء وعن المظلومين أينما كانوا لأننا تجرعنا من كأس الظلم ونعرف معنى الحسرة والقهر والألم.

ونبقى مسؤولون من مواقعنا مهما صغرت ، فصوت الحق لا يحتاج لمكبرات أصوات ولا لتخمة كلمات ولا لرونق حروف، الحق يحتاج للشجاعة لكي يعلو ويفهم الجميع أن من يموت بإهمال أو بدون اهمال له جانب من المسؤولية على من يشرف عليهم وعلى من يعود له الأمر فهم ذلك والقيام بما يجب القيام به من استدراك وتصحيحات للخلل حيثما وُجد،  فالحساب يوم الآخرة سيكون منصفا والعدالة الإلهية لن تداري على أحد ، وهذا آخر مقال لي عن هذه الحادثة بإذن الله لأن تذكرها صعب والكتابة في تفاصيلها مرهق نفسيا.

اللهم ارحم الأطفال الأبرياء وأكرم نزلهم. آمين يا رب العالمين .

سميرة بيطام: حين تنتهي الخديعة يُكشف عن ساقيها

الأستاذة: سميرة بيطام

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

احمد لطفي شاهين

من هو القريب الحقيقي – د.احمد لطفي شاهين

أخبار بلا حدود- نص افتتاحي منقول(( قربٌ غائب قد يحضرون يوم الوداع، لكنهم يغيبون في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *