سميرة بيطام: استراتيجية ترامب الأخيرة في حربه على ايران

سميرة بيطام
 

أخبار بلا حدود- يقال أنه عندما تكون صغيرا تكون أذكى بفضل ما اتعلمه ممن يربيك أم  يعلمك في المدرسة أو ينصحك من مقربيك، تلك ركيزة التلقين على بساطة التلقائية  في تصيد المعلومة وتقبلها والاحتفاظ بها في الذاكرة لحين يعود الزمن بالصغير حين يكبر ويعيد شريط الذكريات ، فيسترجع  تلك الفكرة ليقوم بعملية تقييم لمدى سلامة قراره  الذي يبديه في أمر ما طبعا بالتوافق أو بالرفض مع ما تتطلبه القضية  ، ففي كل الأحول تلك الفكرة عائدة بطريقة أو بأخرى، لأن الزمن يدير العجلة نحو ما يسمح لها بالظهور كرأي وليست مجرد فكرة فقط.

وقد أشار مايكل وولف في كتابه نار وغضب –البيت الأبيض في عد ترامب-ما يناسب لب الفكرة السابقة فيما يخص عنصر الذكاء ، في عدم اهتمام الرئيس ترامب بتحقيق الهدف الأسمى للحزب  الجمهوري بإلغاء قانون الرعاية الصحية ( أوباماكير) ، تماما مثلما كانت كل التفاصيل المتعلقة بالتشريعيات المطروحة مملة ومشتتة لانتباهه، فقبل أن يظفر بمنصب الرئاسة لم يكن يجري أي مناقشة مجدية حول التأمين الصحي بحسب ما ذكره مايكل وولف، ما يوضح أن الرئيس الحالي نجاحه في الرئاسيات  لم يُغير كثيرا في طريقة طرحه للقضايا ذات الأهمية وبما يعود على النفع لأمريكا ،التي يريدها عظيمة مرة أخرى، على اثر نجاحة في الانتخابات الرئاسية ،كعربون محبة لها.

وعود قدمها ترامب لجمهور أمريكا ولا يزال يثمن إنجازاته أنه أنقذ أمريكا من سياسة بايدن ، على اقتناع منه أنه الرئيس الأفضل لأمريكا في الفترة الحالية.

لكن ، وبالنظر الى متطلبات القيادة مثلما أشار اليها رونالد .هيفيتز في كتابه:  ممارسة القيادة بدون إجابات سهلة ،  ناقلا تجربته مع رئيس أمريكي  حين بحث عن قواعد عامة لمساعدته على التفكير بشكل استراتيجي وبما يسمح له أن يوصل اليه فكرة الآثار المترتبة في المستقبل عن كل قرار يتخذه اليوم ، فنصيحته كانت أكثر ثراء وأكثر ايحاء ، فهو يأمل أن تكون فكرته أكثر قابلية للاستخدام.

ما يعني أن طبيعة بعض الأفكار لا تكون سهلة في نظر عامة الناس ، حين يتعلق الأمر بمنهجية قيادة أو فن تحكم في دواليب السلطة، وهو ما يجعل غالبية رؤساء العالم بين أكفي عفريت ، ان هم حاولوا أن يثبوا لشعوبهم أنهم يسيرون عكس تيار التحكم الممنهج لإخضاع الشعوب وتعويدهم على قبول ما هو متاح  طبعا من طرفهم كرؤساء ، ولا يهم في ذلك نوعية الكم أو مقدر الفائدة فيه، بقدر ما يهم أن يبقى الوعي أقل ما يُقال عنه ضعيف المستوى، وهو ما يناسب فكر وتصور من يتحكم في سيرورة الأحداث على األى مستويات القيادة ، التي غالبا تبقى ركيزة أساسية في الظل .

فأمريكا ،لم تكن كباقي الدول المتقدمة مثل روسيا أم كوريا الشمالية أو حتى ايران عندما قررت تلعب دورا بارزا، في الحرب الأخيرة بما يمكن وصفه بمهارة مقبولة متجاوزة،  بذلك الخضوع بسهولة لمطالب الرئيس ترامب، وهو يغير المألوف في الحكم على قرارات رؤساء آخرين سواء كانوا أجانب مثل رئيس فنوزيلا مادورو أو عرب وما أكثرهم عبر تجرية سياسية عصفت بهدوء بلدانهم الى حين تنحيتهم من سدة الحكم، انها ترددات السياسة حين تنتفض وحين تريد لها التموقع الجيد.

ان الفترة التي يقود فيها ترامب أمريكا اليوم أشبه ما تكون بقائد سفينة يستخدم في كل مرة أسلوب جديد في القيادة ، اذا رأى أن عوامل القيادة  التي تسير على ما يريده مزاجه الذي وُصف  في أكثر من مرة أنه مرضي وليس بصحي، لكن وفي إعلانه عن قراراته المصيرية  في اجتماعات ممثليه من الخارجية ووزارة الحرب، تظهر أن ادارة أمريكا وجدت فعلا صعوبة في التعامل مع ايران، ولا يمكن تصور هذه الصعوبة في قوة شخصية قادتها ولكن لاعتبارات ذات علاقة مباشرة بالتحكم في السياسة الاقتصادية الدولية ، والتي يريد ترامب رهن بعض قادة الدول لمتطلبات أجندته التي رسمها في معالم شرق أوسط جديد ،تعود فيها الفوائد لأمريكا ومن ثم يمكن التفاوض مع تخفيض حدة لهجة التخاطب الى ما يمكن احتوائه حفاظا د على تحقيق المصالح ذات البعد الاقتصادي والسياسي خاصة.

وكنموذج للقيادة  المسؤولة ،يذكر  رونالد هيفيتيز أن  على القائد أن يتحمل مسؤوليته عندما يكون غير  متأكد من مستوى المحنة ومدتها وحتى عندما يكون تنظيم السرعة مرتجلا، مخيرا بين الحفاظ على ألم شديد لفترة قصيرة  أو الألم المعتدل على مدى فترة زمنية أطول.

وربما هو يشير الى درجة تحمل القائد لتبعات قراراته ولا يهم في ذلك ان كانت مدروسة أو ارتجالية ،لأن العبرة بالصمود وعدم التولي للخلف ، ويبدو أن الرئيس الأمريكي  يقف في منتصف الطريق دون أن تكون لديه معالم واضحة من الجانب الايراني لما ينتظره في الأمام أو  لما سيترتب على خياراته المقبلة، خاصة فيما يتعلق بالدافع للاستمرار في المفاوضات وتصريحاته الأخيرة لا تخلو من الإشارة الى أن ايران هي من تطلب الاستمرار في التفاوض على نحو قد يوحي الى أن ايران تخشى الوقوع في نوع من الخسائر التي تفقدها ديمومة الصمود ،  واستمرار المفاوضات يعطيها الفرصة للتحلي أكثر بروح المسؤولية، لكن لا يجب نسيان أن الخطاب السياسي حين تعلوه لغة التفاخر والثقة المفرطة قد تؤول النتائج الى عكس ما كان متوقعا، ولا أحد بإمكانه التنبِؤ حقيقة بقادم النتائج ما لم تتم دراسة كل خطوة على نحو من التريث والحكمة وحسن التصويب لكل كلمة ولكل قرار ولكل قذيفة اذا لم يجدي نفعا أسلوب التفاوض .

قد يعتقد المحللون السياسيون رفيعو المستوى كما تخولهم مناصبهم ومهامهم لأن يكونوا في موضع لا يحسدون عليه، أن يكون لهم القرار الأول والأخير في استمرار الحرب أو وقفها، حتى لو كان التصريح الأخير للرئيس ترامب أن وقف اطلاق النار قد انتهى، واذا كان فعلا قد انتهى بالنسبة اليه، فهل هو منته بالنسبة لإيران التي ظلت متمسكة بمبادئها  ولو على امتداد الاستفزازات والمناورات لفظية كانت أو دفاعية؟.

وفي ظل هذه التجاذبات  يبدو الشرخ واضحا بين الإدارة الأمريكية ممثلة في رئيسها وبين الكيان  الصهيوني ممثلة في رئيس حكومتها ، خاصة فيما يتعلق بمسألة نزع السلاح في لبنان وفلسطين والتي  تعبر مسألة صداع  ووجع لكلا الطرفين الأمريكي والصهيوني ، على اعتبار أن من يملك السلاح يملك مقاومة أكثر، وشتان بين من يتعامل في حروبه بديبلوماسية التفاوض والتنازلات أحيانا واللامبالاة أحايين أخرى، وبين من يبدي ثقة زائدة في نجاحه نحو بلوغ الهدف مهما طال زمن الحرب ، مع عدم احتساب الخسائر المتوقعة.

لنعرج في الختام الى أن رصيد الرئيس الأمريكي حاليا من حيث الشعبية ومن حيث */التأييد الجماهيري بحسب استطلاع أخير لشبكة فوكس نيوز  بينت أنه يوجد استياء عام لدى الناخبين تجاه رئيسهم بما سنبته 64% ، أما المعارضة العامة فقد سجلت رقما قياسيا منذ تولي الرئيس الأمريكي السلطة.

كل هذا الاستياء في ظل ترقب محتسب لضربة مفاجئة للرئيس الأمريكي لإيران، ولا يستبعد ذلك ، اذا كانت أهدافه لم تتحقق بعد، ولكن لا يبدو الأمر متعلقا بسوء تقدير للوقائع في حرب جمعت بين أمريكا وايران وكون أن أمريكا هي البادئ في هذه الحرب ألا أن تداعياتها ستكون ثقيلة على الرئيس الأمريكي، ومع  تراجع الشعبية سيكون  ذلك مرتبطا بالأساس الى عدم وجود آلية ناجعة في تقويض ايران ودفعها نحو الاستسلام في هذه الحرب وبأقل الخسائر من الجانب الأمريكي، لكن هذا يبدو مستحيلا ، بعد أن خطت ايران مسافة معتبرة في خلال خوضها هذه الحرب ، ولا تزال  تملك المزيد من الآليات التي تفضل الاحتفاظ بها الى حين تظهر النية الحقيقية للرئيس الأمريكي فيما ان كان سيتراجع عن هدفه وبالتالي خسارته لهذه الحرب أو الاستمرار فيها على نحو هستيري قد يجلب المزيد من الفوضى في المنطقة .

هو ما سيكون سببا لتدخل مباشر لدول كأطراف في هذه الحرب بدافع من رغبة الرئيس ترامب في الاستئناس بها وبالتالي شعوره بالقوة ، فحتى لو خسر هذه الحرب فعلا فان الخسارة لن تكون فردية ممثلة في الطرف الأمريكي بل ستكون مشتركة، وجر الغير الى هذه الحرب قد يكون خيارا اضطراريا بدافع الحفاظ على سمعة أمريكا في هذه الحرب المعقدة، أمريكا التي يريدها ترامب قوية دائما.

سميرة بيطام: ترامب والحلقة الفارغة في حربه على ايران

الأستاذة: سميرة بيطام

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

احمد لطفي شاهين

ظاهرة الاستنزاف العاطفي – د.احمد لطفي شاهين

أخبار بلا حدود- قبل سنوات الحرب في غزة كنت أعمل في مؤسسة استشارية شاملة وجاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *