سميرة بيطام: الوصفة الجنائية لحادث مؤسسة الطفولة المسعفة

سميرة بيطام
 

أخبار بلا حدود- على اثر الحريق الذي شب بمؤسسة الطفولة المسعفة بالمحمدية بالجزائر يوم الخميس  16/07/2026 على الساعة 3 و 32 صباحا، وقبل أن أكتب في وقائع هذا الحادث، تابعت بعض المتابعات الإعلامية وكذا تصريحات بعض المتدخلين من المواطنين الذي بادروا بعملية الإنقاذ لبعض الضحايا ما استطاعوا لذلك سبيلا بحسب أقوالهم، إضافة الى تدخل مصالح الحماية المدنية وكذا الإسعاف عملية إجلاء المصابين نحو مستشفى مصطفى باشا الجامعي ومستشفى الحروق بزرالدة وكذا مستشفى بارني .

 صراحة وككل مرة في حدوث مثل هذه الحوادث يجد الجزائري نفسه تحت وقع الصدمة لطبيعة وتوقيت الحادث وكذا حصيلة الضحايا، صراحة ليس من السهل أن تكون المتابعة والمشاهدة لمثل هذا الحادث عن قرب واعتباره حادث عابر يمكن حدوثه لأسباب ما منها ما هو معلوم كالشرارات الكهربائية ومنها ما هو مجهول يبقى قيد  التحقيق من الجهات الأمنية المختصة كجهاز الشرطة العلمية وكذا فرق التحري الجنائي.

ما يمكن قوله أن حصيلة 11 وفاة للأطفال يبين أن ثمة فجوة في المراقبة والحراسة ،  فلو كان هناك طاقم يقظ يسهر على حراسة المؤسسة لأمكن التدخل الاستعجالي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وبأقل خسائر بشرية وحتى مادية.

ان الفجوات والفراغات التي لا يراقبها المسؤولون  بصفة دورية وعن كثب، تبين أن الاستهلاك المفرط للمادة الإعلامية وقت وقوع الحوادث هي في الحقيقة تزيد من التأسي  والتحسر على الخسائر في الأرواح ، فالنقائص والخلل الذي لم يُستدرك في أوانه، هو ما يسهل ويرفع نسبة النتائج المتوقعة، وهذا يحتاج الى رؤية استباقية إحصائية فنية تحيط المؤسسة بجميع اللوازم الأمنية من أعوان وأجهزة انذار مبكر ومخطط تدخل استعجالي ، يضع المؤسسة وطاقمها البشري تحت العناية الأمنية والصحية اللازمة.

ان المخططات التي تعتمدها الدول المتقدمة في التدخلات السريعة على اثر وقوع الحوادث والجرائم يبين استباقية الحكومات التي تحرص على سلامة مؤسساتها ومواطنيها، خاصة اذا كانت هذه الحوادث متكررة ، مثل الحرائق وقت الصيف، وفي الجزائر أصبح المواطن يتخوف من قدوم هذا الفصل لما تشهده الغابات من التهاب للنيران وعلى مساحات شاسعة. هذا اعتبره تصور عملي للوقاية من هذه الحوادث ذات الخطورة العالية من أجل تفادي الخسائر البشرية خاصة ، أما المادية فهي معوضة.

قلت الدول المتقدمة تتبنى استراتيجيات  استباقية لكن هذا لا يعني أنها متحكمة في تقدير نتائج الحوادث التي يمكن تصنيفها ضمن الجرائم الموصوفة ،طبعا  حين يتوفر العنصر العمدي كركن من أركان الجريمة، وتبقى الدلائل والمؤشرات الأولية على اثر التحقيقات الأولية هي التي توضح الأسباب الحقيقية لمثل هذه الحوادث، وتضع حكومات الدول بما فيها المتطورة التقنية هي الأخرى عاجزة أمام الاحتواء الاستعجالي لها، مثل ما حدث في كاليفورنيا مؤخرا عند انفجار أنبوب مائي ضخم بشوارع هوليود الغربية ، بالإضافة الى الحرائق التي التهمت النيران مساحات شاسعة من الغابات دامت لأيام، فحدوث هذه الحوادث موجود عالميا ،لكن الدول الذكية هي التي تستبق بدراسات ومخططات لتفادي النتائج السلبية لها ، على الأقل انقاذ ما يمكن إنقاذه وبأسرع عامل زمني خاصة في الولايات الكبرى ذات الاكتظاظ المروري ، والذي يحول دون الوصول السريع لسيارات الإسعاف وكذا الحماية المدنية لاجلاء الضحايا نحو المستشفيات.

جملة من الحقيقة نقولها إزاء تكرار هذه الحوادث ولو على مسافات زمنية متباعدة يجعلنا نصوغ هذه الحقيقة بتساؤل عن غياب تفعيل مخطط الإنقاذ الاستعجالي،  والذي من المفروض يكون موجود على مستوى جميع المؤسسات وليس حكرا فقط على المؤسسات الصحية ، هذا من الناحية الاحتياطية، أما كتقدير عام لمستوى متابعة الأجهزة الأمنية فمثل ما حدث في  مؤسسة الطفولة المسعفة لا يعكس بالضرورة قصور أمني أو تراخي، فبالنظر الى التنظيم الداخلي للمؤسسة وبمتابعة لحظات نشوب الحريق واتساع الألسنة النيرانية في كل مكان وصراخ الأطفال المتواجدين داخل المؤسسة يطرح أكثر من سؤال:

1-أين هي مخارج النجدة؟ ولماذا لم تترك مساحة يمكن من خلالها الاجلاء السريع للأطفال حتى لا يبقوا  حبيسي النيران التي لم ترحمهم.

2-كيفكان فيه تفعيل مخطط اجلاء سريع للأطفال إزاء نشوب الحريق؟

3-هل كانت المؤسسة مدعمة بحراسة لأعوان الأمن الذين يفترض أنهم أول من سينتبه لمثل هذه الحوادث المفاجئة ذات الانتشار السريع ، حتى طريقة توسع الحريق تدفع للتفكير فيما ان كانت ثمة مواد أو أدوات ساعدت على اتساع مساحة الحريق.

هي أسئلة نموذجية عادية  يمكن أن تخطر على بال أي مواطن يتابع الحادث عن بعد وحتى عن قرب، يبقى أنه من غير الممكن التعمق في شرح تفاصيل الأحداث ما لم يتم التحقيق الأولي لجهات التحري من طرف الجهات الأمنية بالإضافة الى تحريز الأدلة الجنائية من مسرح الحادث، الذي يبقى بوصف حادث أو واقعة لحين تبين ملابسات حدوثه وهل يرقى لأن يصبح جريمة. وهذا يتوقف على الاستنتاجات الأولية .

ان ما يساعد على معرفة أسباب هذا النوع من الحوادث  يجب  ربطها بعاملي الزمان والمكان، فان كان على الزمان ، يعني التوقيت والظروف المشددة مثل عامل الليل ، أما عامل المكان ، فهو موقع مؤسسة الطفولة المسعفة وما يحيطها من مرافق وسكنات، اذ غالبا ما تكون الأماكن المعزولة والبطيئة الحركة السكانية محل استهداف أو عرضة لأن تكون محل خطر طبعا اذا انعدمت شروط الوقاية والأمن الكافية .

مهما تكن تكلفة هذه الحادثة، تبقى الأرواح هم أطفال أبرياء، ولا يمكن بأي حال من الأحوال التقليل من عدد الضحايا وأعمارهم، وهو ما يدفع المسؤولين على أعلى مستوى الى ضرورة الالتفات اليقظ الى أننا في زمن تكثر فيه المخاطر ،طبعا بربط البعض منها لما يحدث دوليا وكذا لبعض المواقف التي تمثلها الجزائر كبلد متزن سياسيا ومتوافق عالميا مع الأحداث ذات البعد التاريخي والإنساني والاقتصادي ، ماعدا ما كان له اعتبارات فيما يخص القضايا ذات الشأن بالسيادة ، فهي لا تقبل المساومات ولا التنازلات من منطلق أن لكل دولة الحق في ان تنهض وتتطور ولا مانع حين تكون الأدوات والعقول جزائرية بامتياز، لكن نعيب على جانب عدم الاستثمار في الكفاءات وفي كل التخصصات ، نعيب على عدم غربلة المناصب ذات الحساسية والمسؤولية الكبيرة الى من لديهم استعداد لبذل الجهود الكافية لتطوير بعض القطاعات ذات الحساسية والأهمية، نعم نعيب في ظل تواجد الوفرة والموارد والخطط والامكانيات، فلماذا تبقى الجزائر رهينة هذه الحوادث التي تهز هدوئها وأمن مواطنيها من حين لآخر خاصة أنها تمس شريحة من المجتمع وأغلبها طبقات ضعيفة أو محرومة، وهو ما يتطلب الوقوف بجد وصرامة لمحاسبة المقصرين ان كان فيه تقصير متعمد  ومحاسبة من بإمكانهم احداث الفارق في التوظيف وايلاء المسؤوليات لمن يستحق، وكان العجز مقترن أنه لا يمكن إيجاد آليات لمعالجة ومكافحة مثل هذه الحوادث، فما خُصص للمشاركة في مونديال كرة القدم من طائرة وامكانيات هذا لا يمنع ان يكون نفس التجهيز للطبقات المحرومة بأن تحظى بالاهتمام والتعويض والاتزان في حياتها اليومية، ما المانع ان تخصص إيرادات مالية وتنصب كفاءات تعرف كيف تدير الأزمات وبأقل الخسائر؟ ، هل ثمة مانع؟، لا أعتقد أن فيه مانع ، الا أنه يوجد مشكل وحيد وهو ظاهرة الاعتياد على تشجيع كل ما يلهي وعدم التركيز على تشجيع ما يشفي ويداوي. ويطور.

لم نعد اليوم بحاجة لأن يستمر التعاطي مع هكذا وقائع بحضور المسؤولين بعد حدوث الحوادث والتقرب من الضحايا والأطقم الطبية والشبه طبية  أنهم على استعداد لتوفير المزيد من الإمكانيات، لأن  الحضور الحقيقي مطلوب بكثافة وفي أغلب الأوقات لتفقد الخلل والثغرات والنقائص والترهلات والأعطاب وتعزيز الحس الأمني لدى مؤطري ومسؤولي  الموارد البشرية ، التأطير الجيد والتحسيس بضرورة اليقظة والوعي والانتباه سواء للحركات المشبوهة أو لتواجد الغرباء الذين لم يعتادوا الحضور الى أماكن تصبح في المستقبل القريب مسرحا للحوادث.

ما عسانا نقول الا ما يرضي ربنا ونترحم على ضحايا الحادث من أطفال أبرياء نحسبهم عند الله شهداء ، ونرفع صوتنا الى كل مسؤول أن يعي انه مسؤول ومكلف بأمانة قبل أن تكتب تكليف بمهام ، خاصة اذا كانت الخسائر أرواح بشرية ، فالروح الجزائرية غالية ، ومطلوب اليوم وبكل شفافية وصراحة وصحوة ضمير تغيير طريقة التعاطي مع هكذا حوادث وأسلوب قبول تحمل المسؤوليات ما لم يتبعها حرص وصرامة وجدية عمل ، وما يقدره الله كقوة قاهرة فهذا خارج عن نطاق تحمل الانسان ، لأن الله لا يكلف نفسا الا وسعها ، من ماتوا هم أطفال وأيتام ولهم حرمة ، وحرمتهم أغلى  من حرمة الكعبة كما روى بن ماجة عن عبد الله بن عمر ، قال ، ” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول : ما أطيبك وما أطيب ريحك ، ما أعظمك وما أعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم حرمة منك، ماله ودمه وأن تظن به الا خيرا “. فهل سيبقى  مسؤولينا يتوافدون بانزال سريع بعد كل حادث مفاجئ لنبقى نتساءل عن غياب هذا الانزال في مراقبات دورية تدخل في سياق المهام الموكلة لكل مسؤول تنضوي تحت مهامه أمانة أرواح ومستقبل ومصير..يبقى السؤال مطروحا ويا حبذا لو نشهد تغييرا ملموسا ومرئيا بلا ترقيع ، بلا بروتوكولات وبلا روبورتاجات تنقل لنا صراخ الأطفال وسط النيران ولسان الحال يقول : كفانا ألما وحسرة على  فلذات أكباد جزائرية.

تبقى العبرة ليست في جودة الخدمة الاستعجالية المقدمة التي تعكس أن مستشفى قدم أفضل خدماته  بعد الحادث على مستوى المستشفيات، بل العبرة وان صح التعبير أقول الفائدة هي كيف يمكن انقاذ الأرواح من الموت الا ما كان مقدرا من الله عز وجل، لأن انقاذ الأرواح  من موت محقق لهو أعظم انجاز يمكن الشعور بتحقيقه بالفخر والطمأنينة لكوادر تفكر وتخلص وتطبق .فهل وصلت فكرتي ؟ أظن أنها وصلت ، لكن هل من مستمع ومطبق فعلي في الميدان حتى لا تبقى الفكرة حبرا على ورق أو على موقع الكتروني؟.

اللهم نسألك السلامة والحفظ والأمان والأمن ..آمين يا رب العالمين .

سميرة بيطام: استراتيجية ترامب الأخيرة في حربه على ايران

الأستاذة: سميرة بيطام

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

لطفي العبيدي

ما بعد النار: الحرب التي تقتل شرقًا أوسط وتلد آخر

أخبار بلا حدود- ليست كل الحروب مجرد صراع على الأرض أو النفوذ. هناك حروب تتحول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *