سميرة بيطام: حين تنتهي الخديعة يُكشف عن ساقيها

سميرة بيطام
 

أخبار بلا حدود- لم يرتبط اختياري لعنوان مقالي هذا بأي ظرف أو واقعة أو أشخاص ، بقدر ما ارتبط بسلسلة من  التراكمات التي لها الوقع الكبير على نفوسنا  لما نشاهده اليوم من فوارق تريد فرض منطقها المجرد من المنطق لولا صراحة الاسم الذي ارتبطت به ،حتى يبدو لنا أن ما تسعى اليه هو مباح ومشروع، بمنطق الأبقى لمن يحتال أكثر أو له وساطات قوية وليس لديه أي رغبة عن الرجوع الى نقطة البداية للتصحيح ، خاصة اذا ما تعلق  الأمر بمن استباح  السير على هذا الطريق رافضا أن يعترف في قرارة نفسه وعند خلوته وحيدا في غرفة نومه تحديدا ان ما صول اليه لم يكن بالطرق المشروع ولم يكن بتعب وكد فردي ،بل تدخلت عوامل كثيرة فرفعت المتدني وأنزلت العالي واختلطت الفوارق فيما بينها ولم تنصف معتدلا ولا مستقيما بقدر ما زادته عزلة وتهميشا، وان كان العزل في زمن الرداءة أوفر حماية لمن يخشى عدواها.

قلت غرفة النوم تحديدا كمستقر لمراجعة التصرفات والقرارات هو المكان الوحيد الذي تسقط فيه جميع أشكال التصنع والأقنعة،  لأن الجسم ينجذب نحو الراحة تلقائيا وبرغبة كبيرة في الانقطاع عن متاعب اليوم للسادة  والسيدات كبار الحظوظ ، والكواليس تخفي الكثير في صمت، صحيح أنهم تألقوا ولبسوا أجمل الثياب بمظهر بغطي بعض عيوب السلوك، منه ما كان في الماضي ، ومنه من يزال عالقا  في زمن أصبح من الصعب جدا القول أن  الحياة متكافئة للجميع ، فهناك من يعيش عيشا هنيئا وبعضنا متعب  منهك منزوع الحق، وما زاد في الطين بلة تواجدهم  وقت الأزمات والخرجات والتدشينات ، لكن بقي المجتمع يعاني من فوارق الحصول على مثل هكذا فرص ، سواء في عيش هادئ أو دخل يكفي حاجة السؤال ولم تكن الرغبة أكثر من ذلك على الاطلاق ، لأن بعض النفوس زهيدة ما يكفي في حاجتها ، لأننا عايشنا زمن الرداءة مرغمين ، وفي قرارة أنفسنا كنا رافضين جملة وتفصيلا لطريقة الآداء والمحاباة والتفضيل بين موظف وآخر وبين منحة وأخرى في بعض المواقف ، لدواع لم تكن جديرة بالتقييم، لأن أغلبها كان بدافع من الخوف، هذا الخوف الذي جمع المتفرقين وشتت مصالحهم الخاصة مؤقتا ليتفقوا على مصلحة من أرقهم وجوده اسما ولباقة ومواجهة وارتفاع مستوى أخلاق مكن من حصيلة التحدي أن تبقى ثابتة، وفي ذلك قلده المقلدون ونافسه المتنافسون علهم يزيحونه من الطريق ويحظوا هم بلمعان الاسم والانجاز، مواضع كهذه متعبة بل مقرفة أحيانا ، لأنها خالية من جودة الأدب والاحترام والأحقية، مواضيع كهذه من حقنا أن نثيرها ليس للغرق في لا جدواها ، بل لأنها سوسة دست نفسها بنفسها ولم تكن مدسوسة من الغير ورافقت صنيع الاتقان علها تشبهه، والأغرب فيها أن السباق دخله من لم يكن له مرخص أصلا بدخوله، ومع ذلك دخلوا في جملتهم  وتم قبولهم ولم يتم رفضهم، لأنهم شركاء توأم في تمرير الكذب والمراوغة وباتقان، وقد لذنا فرارا في أن نخوض في ممثل هكذا مواضيع لولا دواعي التنبيه منا الى أن ليس كل ربطة عنق هي لصاحبها تنظيم لأفعاله، وليست حلي تلبسها صاحبتها هي تبييض لمظهرها وسلوكها،.

   انما يبقى التقي  الخلوق العفيف الكريم الطبع والخلق نائيا بنفسه محافظا على قوامته عن أن يتم اقحامها في أي محاولة  تجذبه  نحو مجالس اللهو واللغو، ذاك المميز في حجر كرامته هو من يتعرض للظلم  ويبتعد  تحت ضغط رهيب لأنه ببساطة رفض أن يشاركهم مجالسهم ، وهم كثر مما طغوا في الإدارات وأكثروا فيها الخلود في المناصب ، ولم تكن لديهم أدلة تبرئهم من مظالم الأمس وتجاوزات الآداء حتى يقال عنهم أنهم منزهون من الأخطاء.

بكل صراحة،  لم يكن النقص في قلة الوعي كما ظنه البعض ، ولم يكن النقص في قلة الإمكانيات ولا في قلة حظوظ التعليم والتعلم، بل كان العائق أكبر بكثير من أن يختزل في كلمة فساد أو إرهاب اداري أو تعسف في استعمال الحق ، وفي جملة هذه التجاوزات يتحاشى المطبلون باسم القانون الخوض في تفاصيل وعمق هذه الأزمات ، لأنها بنظرهم تكشف المستور أو تنصف محقا أو تسقط متعديا أو تسلب منه حقا اكتسبه بلا كفاءة ولا جدارة، شخصيا أحمد الله أن لي قلم اكتب به ما أشعر به وأضع الحدود بيني وبين الغير ولا أتجاوزها وأركز على طرح المشكلة الاجتماعية بتفاصيل آلامها وترددات تداعياتها، ولا أكتفي بتفادي عدم وضع الأصبع على الجرح، بالعكس أضع أصبعي على الجرح وأسمي الأسماء بمسمياتها وأعي  أن البعض يترقب زلاتي وأحترم منه هذا الانتظار لأنه مكلف ومضيع للوقت وجالب للذنوب ، وهذا يكفي لأن تتوقف مسارات هؤلاء حتى يكتض  كأس الرداءة  بما احتواه من مشاركين فيها، وبين كل هذه المطبات والفوارق والأزمات الأخلاقية والنفسية أختار لنفسي أن أستقر بعيني تحت ضوء مكتبي لأكتب في عمق الأزمة التي نعاني منها ولا زلنا على مر سنوات وهي : الى متى النفاق والكذب والتحايل؟، كما أكتب في قضايا أخرى لا زالت تنخر جدار الصمت بين مؤسساتنا ومكاتب من اختاروا لهم الأبهة على حساب البساطة..وعلى حساب أن يبدوا واضحين ومكتفين بذواتهم دون تقليد لأي كان.

وحتى أكسر الرتابة عن قلمي وأفصل التكرار من أفكاري ، أبحث لي عن أقوال تحفزني وتدفعني لأن أكتب كما أشعر لا كما يتلقى المتلقي باسم السطحية أن أكتب ، لأني أعرف أن ثمة عقولا تبحث عن  الصدق وعن الوضوح وعن المواجهة الرزينة وليست بالسامة، تلك المواجهة التي تضع كل من نخاطبه وفي عقله أو قلبه علة أن يبادر بتصحيحها ويركن الى ركن العفو محاولا لأن يقدم عليه ولو لم يكن باستطاعته فعل ذلك، الا أنه لا بد أن يكون شجاعا ولو مرة واحدة في العمر ويختزل عليه تأنيب الضمير، هذا لمن ملك الضمير الحي أصلا، أما عن الغافلين المتمردين  من نامت ضمائرهم اطمئنانا لمسارهم نحو الأمام بلا شعور بأي عقدة ذنب ، فهذا الصنف من الناس نحيطه علما أنه يوما وفي لحظة غير منتظرة تقف الحقيقة لتكشف عن ساقي الخديعة التي كانت  تتملص في كل مرة من الاعتراف والاقرار بما فعلت أو شهدت أو سكتت عنه .

لا يهم، فليس موضع مقالي هو الخديعة كسلوك جبان وغادر، بل الحديث عن الشعور بالتيهان في زمن لا يريد ان يقف بعجلته نحو تغيير جذري وعميق لشمولية النمط الحياتي برمته والذي امتزج بأفعال الغير التي نقلت سمومها فأفسدت ما أمكن افساده ، ومن كل الجوانب وفي كل المجالات، تبد الحقيقة  صعبة الظهور بهكذا سرد واقعي في تراتيب معانيها المثقلة بنقص الشجاعة الذي يعاني منه الكثيرون، حين يتعلق الأمر بمواجهة الذات لأخطائها ومحاسبتها و عدم الرغبة من حين لآخر في النأي الى ركن شدي نحسبه غرفة او مكتبا أو حتى شارع هادئ  ، بحيث تحدث في هذه الأماكن عمليات صريحة من جلد الذات حتى تتحمل عبء التطوع والبدء بالتصحيح وطلب الاعتذار ممن حسبوهم لقمة سهلة المضغ ومن بعد سهلة الرمي أو الردم..المضغ لم يكن سهلا فاللقمة كانت صلبة والأضراس هشة ، والرمي لم يكن متاحا فالكرة رجعت لمن رماها ، والردم لم يكن ممكنا لأن القوي في ارادته لا يردم الا مرة في العمر وهو يغادر الى جوار ربه بعد أن يبلى بلاء حسنا مع ذوي العقول الناقصة والنفوس المريضة  لا لمزيد من الشهرة وبكثير من الألم ، بل للاستعفاف تحت مظلة النأي بالنفس عن كل ما يضرها ، فيما تتحمل البقية  في سبيل أن تبقى محافظة على وهم العمل وزيف المبدأ ما لا ترضاه النفس الكريمة لنفسها..وطبعا شتان بين الثرى والثريا في مجامع الكلم ، وفي شعر البحتري ما يجلي العزيمة ويدعمها :  

  فدتك يدي من عاتب ولسانيا                        وقولي في حكم العلا وفعاليا

  فان يزيد والمهلب حابيا                            اليك المعالي اذا أحب المعاليا

ولم يورثاك القول لا فعل بعده                       وما خير حلي السيف ان كان نابيا

ترى الناس من فوضى السماح ولن ترى            فتى القوم الا الواهب المتغاضيـــا

واني صديق غير أن لست واجدا                    لفضلك فضلا أو يعم الا عاديــــــا

ولا مجد الا حين تحسن عائدا                       وكل فتى في الناس يحسن باديــــا

ومالك الا عذر في تأخر حاجتي                   لديك وقد أرسلت فيها القوافيـــــــا

حرام علي غزو بذ وأهلهــــــا                     اذا سرت والعشرون ألفا ورائيـــــا

فلا تفسدن بالمطل منا تمنــــه                      فخير السحاب ما يكون غواديــــــا

صدقا أجد في كلمة غواديا ما يريح العقل من التفكير عن إيجاد الحل الأنسب لما استعصى حله ، بانتضار فرجة مع  صباح باكر ، نفسه التعبير مع سحاب جاء غاديا محملا بالغيث النافع، ومنه ما  سيكشف عن ساق الخديعة فجأة ، حين يظن صاحب الساق أن الستر في اللباس كافيا، ناسيا عن خرق العدل والحق له مطبات ،بذاك الاعوجاج في الأمر والمسعى مربكا، صحيح أنها تأتي  مرتبة وناجحة ومعتدلة في بداياتها ، ككل مرة تتوق نفس الغلبان لمثلها ، أبهة في الجلوس على كراسي الشقاوة مطية ،  ويظنها الجالس الولهان مريحة مربحة  في الطول وفي العرض، فاذا بها تدخل المهالك بابا بعده باب، ويعفو عن الناظر الصابر المحتسب بتلقاء العفو لا ُمسائلا.فليت من غامر بنفسه في لهف لأن ينجح قوة وخيلاء واعجابا ، والظن كل الظن انها دائمة ومريحة ومسعدة، أن يعي ان البناء اذا قام على مظلمة، فلن يستقيم له امتداد ولن يستمر له مكسب.

سميرة بيطام: الوصفة الجنائية لحادث مؤسسة الطفولة المسعفة

الأستاذة: سميرة بيطام

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

احمد لطفي شاهين

هل سمعت عن جهاد الحزن ؟ – د.احمد لطفي شاهين

أخبار بلا حدود- من اعلي درجات الجهاد.. جهاد الحزن.. جهاد الخذلان.. جهاد التخلي والترفع رغم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *