قصة القاضي المزيـَف – د.احمد لطفي شاهين

احمد لطفي شاهين
 

أخبار بلا حدود- انتشرت في الايام الأخيرة قصة قاضي مزيّـَف استطاع ان يشتري ذمة كثير من الناس حتى يحقق هدفه ويخدع ناس آخرين

ومن الخطأ هنا ان نقول

أن القاضي كان مزيّـّفاً ..!!

فهذا حكم صغير على حادثة كبيرة …

الحقيقة أن الذي أصابه التزييف أولاً

لم يكن القاضي.

ولا الطبيب الذي انتحل صفة جرّاح قلب.

ولا المحتال الذي جمع الملايين ثم اختفى.

بل إن معظم المجتمع يعشق التزييف والتزوير والخداع والكذب

المجتمع لم يعد يقيس الرجال بما يصنعوا، بل بما يملكوا.

ولم يعد يفتش الناس عن الحقيقة والصدق ، بل يحبون المظهر ويصدقون الكذب رغم وجود دلائل واضحة على انه كذب

انها لغة المصلحة والنفعية والمادية

انه غياب المباديء والقيم والمنطق والاخلاق

وحين يمرض المجتمع بهذه الطريقة، لا يصبح ظهور المزيفين استثناءً بل يصبح غيابهم هو الاستثناء.

فالقاضي المزيّـَف ليس بداية القصة، بل هو حلقة فى سلسلة طويلة من:

تزييف المعايير.

وإختلال القيم.

وعبادة الثراء السريع.

حتى أصبح بعض الناس لا يريدون أن يصنعوا النجاح الحقيقي ، بل يهمهم أن يرتدوا ثوب نجاح شكلي .

ولهذا لا يحب أن نحاكم رجلاً انتحل شخصية قاضي ..

بل يجب محاكمة ثقافة جعلت انتحال الشخصيات أسهل من بناء الشخصية.

وجعلت الوهم أكثر ربحاً من الحقيقة.

والمظهر أكثر قيمة من الجوهر.

إن أخطر ما في التزييف أنه لا يبدأ من الأوراق المزورة، بل يبدأ يوم أن يزوّر المجتمع معنى النجاح نفسه.

حين قرأت قصة القاضي المزيف. لم اندهش …

اندهشت أكثر عندما تذكرت واقعة من انتحل صفة طبيب جرّاح ، ودخل غرف العمليات، وأجرى عمليات لمرضى قبل أن ينكشف أمره.

فالدهشة ليست في وجود المزيف.

الدهشة أن يجد المزيف كل هذا العدد من الأبواب مفتوحة أمامه !!!!

إن المشكلة ليست في رجل ارتدى ثوب القضاء …  ولا في آخر ارتدى معطف الطبيب. المشكلة أن المجتمع أصبح في كثير من الأحيان يمنح ثقته للمظهر وللمال، قبل أن يمنحها للحقيقة.

ولذلك لا أستطيع أن أصف هؤلاء وحدهم بأنهم مزيفون.

إنهم أبناء عصرٍ اتسعت فيه ثقافة التزييف حتى أصبح إدعاء المكانة أسهل من إكتسابها.

وأصبح تمثيل النجاح أسرع من صناعته.

وحين تصبح الصورة أهم من الجوهر .. واللقب أهم من الكفاءة .. والإنبهار أهم من التحقق ..

فلا تتعجب إذا خرج علينا من يتقن صناعة الصورة أكثر مما يتقن صناعة الحقيقة.

إن القاضي المزيف لا يختلف كثيراً عن المحتال.

الأول باع للناس هيبة المنصب.

والثاني باع لهم حلم الثراء

وكلاهما لم يكن يبيع شيئاً يملكه، بل كان يبيع ما يتمنى الناس أن يصدقوه.

إن المحتال لا يصنع الطمع، إنه يستثمره.

ولا يخترع الوهم، بل يجده جاهزاً في النفوس.

في تلك اللحظة ، لا يعود المحتال مجرد نصاب … بل يتحول إلى بائع أحلام … ولا تعود الضحية تبحث عن الحقيقة … بل تبحث عمن يطمئن قلبها.

فالثراء لم يعد وسيلة للحياة ، بل صار اختصاراً للحياة.

الناس لم تعد تريد أن تعيش، بل تريد أن تقفز … تقفز :

فوق الزمن …

وفوق العمل …

وفوق الخبرة …

وفوق قوانين الكون التي جعلها الله قائمة على التدرج …

ولهذا يسمع الناس التحذيرات، ويقرأون القصص، ويعرفون أن غيرهم قد خدع،  ثم يذهبون إليه … ليس لأن الأدلة أقنعتهم، بل لأن الأمل الكاذب كان أقوى من الأدلة !!!!.

إن الإنسان لا يصدق دائماً ما يراه صحيحاً بل كثيراً ما يصدق ما يحتاج إلى أن يكون صحيحاً …

وهنا تكمن خطورة الأمر …

فالقاضي المزيف.

والطبيب المزيف.

والمحتال.

ليسوا حوادث منفصلة، إنهم علامات على خلل أعمق .. خلل في ترتيب القيم عندما يصبح الوصول للهدف هو الفضيلة، مهما كانت الوسيلة.

وعندها لا يكون المزيف هو الإستثناء ..

بل يصبح الخداع إستحقاق يدافع عنه المنتفعين … ولذلك

فإن القضية ليست في سجن القاضي المزيف، أو مطاردة المحتال، أو فضح الطبيب المنتحل … فهؤلاء جميعاً أعراض.

أما المرض الحقيقي فهو أعمق .. المرض هو مجتمعٌ اختلطت فيه

القيمة بالسعر.

والنجاح بالثروة.

والمكانة بالمظهر.

حتى أصبح الطريق الطبيعي إلى المجد يبدو غباء، والطريق المختصر يبدو ذكاء.

والحقيقة المؤسفة أنه لن يتوقف المزيفون عن تزييفهم حين تكثر السجون.. بل حين نعيد للناس إيمانهم بأن ما يبنى فى سنوات، لا يجوز أن يختصر:

في صفقة.

ولا في لقب.

ولا في كذبة.

الحضارات لا يسقطها المزيفون، بل يسقطها اليوم الذي يصبح فيه التزييف مقبولاً أكثر من الحقيقة.

وحين يصبح الكذب هو الطريق الأقصر للمجتمع.

ويصبح الصدق هو الطريق الأطول إلى النجاح.

ولقد اصبح الأمر أكثر خطورة في ظل التطور التكنولوجي والعالم الافتراضي والذكاء الاصطناعي.. وكلها أمور مملوءة بالكذب والخداع والتزوير .  فهل ننتبه؟

من هو القريب الحقيقي – د.احمد لطفي شاهين

الدكتور الفلسطيني: احمد لطفي شاهين.

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

سميرة بيطام

سميرة بيطام: الوصفة الجنائية لحادث مؤسسة الطفولة المسعفة

أخبار بلا حدود- على اثر الحريق الذي شب بمؤسسة الطفولة المسعفة بالمحمدية بالجزائر يوم الخميس  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *