
أخبار بلا حدود- رغم كثرة الأدبيات، في الثقافات الشرقي الغربية المختلفة، التي حاولت تقديم قراءة نقدية للظاهرة الكبيرة، فإن كتاب إدوارد سعيد “الاستشراق” يظل واحدًا من أكثر هذه الأدبيات أهمية (وإثارة للجدل أيضًا). والكتاب ظهر لأول مرة عام 1978، وتُرجم إلى عشرات اللغات، وهو بحسب الأكاديمي السعودي أحمد بن راشد بن سعيد: “حظي باهتمام منقطع النظير، وانتشرت قراءاته ومراجعاته في الدوريات العلمية وفي الصحافة. وما تزال أطروحاته تسهم في شرح العلاقة بين الشرق والغرب مضيفة الكثير إلى حقول الدراسات الثقافية والإعلامية، ومؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية، وما بعد الحداثة، وملهمة البحث الاستقصائي في مجالات الثقافة الإمبريالية، وإنتاج المعرفة”.([1])
و”منذ أن نُشِرَ في سنة 1978، فإن هذا العمل المثير للجدلِ أصبح له تأثيرٌ مُتنامٍ على الحقول المعرفية المتصلة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، كالنظرية الاستعمارية، ودِراسات ما بعد الاستعمارية، والنقد النسائي، والأنثربولوجيا، والتاريخِ، والجغرافيا، وأدبِ الرحلاتِ، والسياحةِ، وغيرها. وهو “محاولةَ لتوظيف نظريةِ ميشيل فوكو حول الخطاب، من حيث العلاقة بين المعرفةِ والسلطة، ومفهومِ أنطونيو جرامشي للهيمنةِ السياسيةِ والثقافيةِ”. ضمن هذين الإطارين، درس سعيد الخطابَ الأوروبي حول الشرق، خاصة البريطانيَّ منه والفرنسيَّ، منذ القرن 18 حتى القرن العشرين. فالعلماءُ الغربيون، والرحالةُ، والسياسيون، الذين كَتبوا عن الشرق، أو درَسوه، أو درّسوه اعتبرهم سعيد “مستشرقين”، والذي أنتجوه “خطابًا اسشراقيًا”.([2])
وأمد عمل سعيد الباحثين والأكاديميين الغربيين بآلية تمكنهم من تحدي الأطروحات النمطية والتبسيطية للثقافات الأخرى، وضمن ذلك مفهوم “صدام الحضارات”، بل إنه غيّر إلى حد كبير مقاربة الجامعات الغربية لدراسات الثقافات الأخرى غير الغربية. ويضيف الأكاديمي السعودي: “لم تكن المعرفة الغربية بالشرق مبنية على حقائق، بل على أمثولات متخيلة مسبقًا تنظر إلى المجتمعات الشرقية بوصفها شديدة الشبه ببعضها، وشديدة الاختلاف عن المجتمعات الغربية. هذا الخطاب، الذي يؤسس لشرق متناقض مع الغرب، تجلى في نصوص أدبية ومدونات تاريخية، وفّرت غالبًا فهمًا محدودًا لحقائق الحياة في الشرق”.([3])
قدم سعيد 3 تعريفات لـ “الاستشراق” يعتمد بعضها على بعض: الأول منها أكاديمي: “فكل من يُدرّس الشرق، أو يَكْتبُ عنه، أَو يَبْحثُه […] سواء في سماتِه العامّةِ أو الخاصة، فهو مستشرق، ومَا تفعله هي أو يفعله هو، استشراق”. والتعريف الثاني: “أسلوب من الفكر مستند على تمييز وجودي ومعرفي بين “الشرقِ” و(معظم الأحيان) “الغرب””. والتعريف الثالث: “أسلوب غربي للسّيْطَرَة على الشرق، وإعادة هيكلته، وامتلاك السلطة عليه”. و”موجَّهًا بتعريفاته للاستشراق، قدم سعيد قائمةَ مِنْ ثلاثة أصنافٍ للمستشرقين. أولها الكاتب الذي ذهب إلى الشرق لتزويد الاستشراق المحترف بمادة علمية أَو “الذي يَعتبر إقامته نوعًا من الملاحظةِ العلميةِ”. ويؤكد سعيد بأن الرحالة البريطاني إدوارد ويليام لين، في كتابه وصف عادات المصريين المعاصرين وأنماط حياتهم يعتبر أوضح مثال على هذه الصنف من المستشرقين. والصنف الثاني لدى سعيد، هو الكاتب الذي يَبْدأُ بنفس الهدفِ، لكن اهتماماته الفردية تُسيطرُ على عملِه. ويَعتبرُ سعيد الرحالة البريطاني ريتشارد بيرتن، في كتابه الحج إلى المدينة ومكة مثالًا جيدًا لهذا الصنفِ. أما الصنف الأخير من المستشرقين فهو الكاتب الذي يرحل إلى الشرقِ لإرْضاء رغبتِه، “لذا فإن نَصّه مبني على جماليات شخصية”. ويُمثّلُ له سعيد بالرحالة الفرنسي جيرار دي نرفال، في كتابه: “رحلة إلى الشرق””.([4])
وفي قراءة أحمد بن راشد بن سعيد، “تمحورت أطروحة سعيد حول تقسيم “الاستشراق” للكون إلى قسمين: الشرق والغرب، أو القسم المتحضر، وغير المتحضر، تقسيم مصطنع تمامًا، أُسس بنيانه على مفهوم: نحن، وهم، ويعمل بوصفه عازلًا جمعيًا يشل التفكير الذاتي. استخدم الأوروبيون الاستشراق ليعرّفوا أنفسهم، ويكتسبوا فرادة أو اختلافًا. عرّفوا أنفسهم بوصفهم عنصرًا متفوقا على الشرقيين، وأرسوا “كولنياليتهم” على هذا المفهوم. قالوا إن واجبهم يحتم عليهم “تمدين” العالم الباهت المفتقر إلى إكسير الحياة، ناسبين صفات محددة إلى الشرقيين، نقيضها تمامًا هو نمط الحياة عند الغربيين”.([5])
و”إذا كان العرب والمسلمون مثلًا كسالى وقساة وأوغادًا، فإن الغربيين تلقائيًا يصبحون العكس. لا يمكن أن يحتل الأوروبي مكانًا عاليًا إلا إذا هبط الشرقي إلى الحضيض. يتشكل التفكير بالمشرق من خلال استدعاء الرؤية الكونية الغربية، فيوصف الإسلام مثلا بـ “المحمدية”، نسبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، تماما كما يُنسب الدين المسيحي إلى المسيح. المحمدية مصطلح أوروبي قديم لا علاقة له بالإسلام، ولا يوجد مسلم يصف نفسه بأنه “محمدي”، وبهذا فإن الغرب صنع صورًا مصطنعة لا حقيقية عن الشرق (artificially created)، معبرًا من خلالها عن تجربته وموروثه، أو هو قام بـ”شرقنة” الشرق الذي بدا كيانا أخرس غير قادر على تمثيل نفسه، فجاء المستشرق ليمثله بحسب رؤيته”.([6])
و”لعل أبرز ما جادل به سعيد هو أن الاستشراق بوصفه حركة علمية وسياسية لم ينطلق من منطلقات السعي الموضوعي لفهم الشرق، بل كانت أهدافه محددة مسبقًا، وهي في مجملها أيديولوجية وعنصرية وإمبريالية. منذ نهاية القرن 18، عمل الاستشراق على اختزال الحضارة العربية الإسلامية في قوالب سهلة وثابتة (stereotypes) الأمر الذي خدم أهداف القوى الإمبريالية في السيطرة على الشرق. أنتج الرحالة والكُتّاب سلسلة من الصور تدور في مجملها حول انهماك الشرق في الفسوق، نزوعه إلى الاستبداد، عقليته الشاذة، سذاجته، تخلفه. كانت صورة العالم العربي في اللوحات الفنية الفرنسية، والروايات الإنجليزية، وحتى في بعض الأعمال الأكاديمية خلال القرن 19؛ صورة حافلة بالغرابة والخيال واللامنطق”. كان هناك أيضًا تصوير للشرق بوصفه مكانًا شهوانيًا يوفر، كما يقول سعيد، “تجربة جنسية يتعذر الحصول عليها في أوروبا. لاحظ سعيد في هذا السياق أن الأوروبيين نظروا إلى الشرق بوصفه ساحة للمتعة الجنسية ورموزها: الحريم، الحجاب، العبيد، الأميرات، والراقصات. ولا يوجد كاتب أوروبي كتب عن الشرق، أو سافر إليه في الفترة بعد عام 1800 إلا بحث عن هذه التجربة: فولبير، ونرفال، وبيرتن، ولين، هم فقط أبرز الأسماء. ظهر الشرق بوصفه عالمًا مليئًا بالرغبة، لكنه مكبّل بالصمت، وعاجز عن التعبير، وبدا الجنس الذي يعد به هذا العالم، في نظر هؤلاء الرحالة والكُتّاب، مشوبًا بالعنف والغموض”.([7])
وبحسب رنا قباني، المنتمية إلى مدرسة إدوارد سعيد، فإن “أدب الرحلات في المرحلة الفيكتوريةِ ارتبط بالحقلِ الجديدِ لعِلْم الأجناس البشريةِ أو الأنثروبولوجيا، والذي قام في بدايته بتكريس غرور الأوروبي، وإرْضائه بأنّه أفضل المخلوقات البشرية. وترى مثلا بأن بيرتن كان يحمل عقيدة عصره بأن “الرجل الوحشي”، وهو التعبير الذي كان يطلق على غير الأوروبي، مخلوقٌ خاضعٌ لسَيْطَرَة الرغبةِ الجنسيةِ، التي تخلص منها الرجلُ الأبيضُ المتحضر. تقول قباني: “في الحقيقة يتحدث بيرتن في أغلب الأحيان عن الأفريقي، والعربي، والحيوان، بنـَفَسٍ واحد”.([8])
الاستشراق والكشوف الجغرافية:
في منظور آخر، يرى باحثون أفارقة مسلمون أن الحرکة الاستشراقيَّة، بوصفها حقلًا علميًّا مكرَّسًا لخدمة المشروع الغربي التوسعي، تعود إلى حرکة الکشوفات الجغرافيَّة الکبرى التي نشطت منذ أواسط القرن 15، ولا خلافَ في أنَّ اکتشاف فاسکو دا غاما لطريق رأس الرَّجاء الصَّالح (عام 1498)؛ فتح للأوروبيِّين باب استغلال بلاد الهند وآسيا، ولا أدلَّ على أهميَّة الحملات الاستكشافيَّة لقيام المشروع الإمبرياليِّ من تسابُق القوى الاستعماريَّة وتنافسها في تجهيز الأساطيل، وإنشاء الجمعيات والمعاهد المعنيَّة بالكشوفات الجغرافيَّة. وإذا کانت حرکة الکشوف الجغرافيَّة قد مثَّلت النَّشاط الحرکيَّ الممهِّد للحملات الإمبرياليَّة؛ فإنَّ الدِّراسات الاستشراقيَّة الاجتماعيَّة، قد مثَّلت البنية التَّحتيَّة الفکريَّة للتوسعية، وذلك في العلاقة العضويَّة الواضحة بين الدِّراسات الاجتماعيَّة (الأنثروبولوجيا خاصَّة) والخُطط والقرارات الاستعماريَّة، ولعلَّ الباحثين لم يغالوا إذْ وصفوا “الأنثروبولوجيا” بأنَّها “وليدة الإمبرياليَّة”. ومنشأ العلاقة بين الاثنَيْن أنَّ القوَّة الاستعماريَّة قد وفَّرت دائمًا الدَّعم الماديَّ والحماية اللاَّزمة، وميدان العمل للدَّارسين الأنثروبولوجيِّين؛ بينما وفَّر أولئك للمُستعمِر المعطيات الضَّروريَّة لإحكام سيطرته على الشُّعوب، والمسوّغ الفكري والأيديولوجي والعلمي له في اتِّباع سياسته، وساعدوه في معرفة نقاط القوَّة والضَّعف في الشُّعوب للتَّحکم فيها.
إنَّ توظيف الاستشراق والعلوم الأخرى في تحقيق أهدافٍ إمبرياليَّة حقيقةٌ تاريخيَّة ماثلة، لا يکاد يختلف حولها الباحثون، سواء في کَوْن الاستشراق حرکةً مُمهِّدةً للتوسعية الغربية أو منظِّرةً لأيديولوجيَّاتها، أو أداةً من أدواتها التَّحکُّميَّة في الشُّعوب غير الأوروبيَّة، أو كَوْنها حاضنةً تولِّد أشكالًا وصُوَرًا جديدة منها. والدِّراسات التي ترصد العلاقة بين الاستشراق والاستعمار تکاد تستعصي على الحصر. ولا يختلف السِّياقُ الإفريقي في الاستشراق عن الشُّعوب الأخرى، غيرَ أنَّ الظَّرفَ الإفريقيَّ يمكن وصفه بأنَّه أكثر عمقًا وشراسةً؛ إذْ هو مُزْدَوَج: عرقيٌّ وديني، أي أنَّ الاستشراق بإفريقيا يحمل سلاحًا ذا حدَّين: حدٌّ يقطعُ الإفريقيَّ عن هويَّته العِرْقيَّة، وحدٌّ آخر يقطعُهُ عن انتمائه العَقدي الدِّيني (الإسلامي خاصَّة).([9])
ومن المقرَّر عند الباحثين أنَّ الباحثين الأنثروبولوجيِّين “ساهموا في مختلف أزمانهم، في دَعْم الأهداف السِّياسيَّة والإمبرياليَّة لبلادهم تجاه المجموعات التي قاموا بدراستها”. وكثير من الأفراد الرَّحالة والمستكشفين كانوا على صلةٍ مباشرةٍ بالقوَّة الإمبرياليَّة بوصفهم قواد جيوش أو إداريِّين. ومن أدلة هذا الارتباط: لجوؤهم إلى وسيلةٍ جاسوسيَّة، عُرِفت بين المستكشفين والرَّحالة بـ “الجغرافيا الجاسوسيَّة” أو “الجغرافيا المتخفيَّة”، وتُعرَّف بأنَّها: “طريقة في البحث الميداني؛ حيث لا يكشف الباحثون عن حقيقة أهداف بحوثهم للمجتمعات المحليَّة… وبناءً على الظُّروف؛ فإنَّهم قد يُخفون أو يموِّهون هويَّاتهم الحقيقيَّة، وجنسيَّاتهم، وانتماءاتهم، أو قد لا يُشيرون صراحةً إلى أنَّ ما يقومون به من تحرُّكات إنَّما هي بحوث”!!([10])
في هذا السِّياق؛ اشتُهِر رحالة كثيرون بأمهم كانوا يتجسَّسون على المجتمعات، وبخاصَّة المسلمة، متخفِّين في هُوِيَّات مختلفة، ومنهم:
- الرَّحالة جون لويس بوخارت (1784-1817). تنقَّل في بلاد الشَّرق بالاسم المستعار: الشَّيخ إبراهيم بن عبد الله، وتوفي بالقاهرة، وهو صاحب الكتاب الشَّهير: “رحلات في النوبة”.
- إدوارد هنري بالمز (1840-1882). وکان اسمه المستعار الشيخ عبد الله، وکانت مهمَّتُه الأساسيَّة إفشال حرکة عرابي باشا الثَّوريَّة ضدّ البريطانيِّين، ورشوة البدو لترك مناصرته.
- الرَّحالة الإنجليزي غيفورد بالْجراف (1826-1888) في سوريا. انتحل شخصية طبيبٍ نصرانيٍّ سوري، واتَّخذ الاسم: سالين أبو محمود، وهو صاحب تقارير تجسُّسيَّة قدَّمها لنابليون في الحملة الفرنسية على مصر والشام.
- شارل داوتي (1843-1926) صاحب کتاب: “رحلات في الصَّحراء العربيَّة”، واتَّخذ الاسم: “خليل” في تنقُّلاته في البلاد الإسلاميَّة.([11])
الاستشراق إذن، ركن من أركان الهيمنة الفكرية التي مارستها القوى الأوروبية المستعمرة. وبشكلٍ عام، أسهم الجغرافيِّون والمستكشفون والرَّحالة في تشكيل رؤية مُغرِضة مغلوطة عن الشُّعوب، وفي تكوين العقل الأوروبي وتهيئته من أجل دَعْم المشروع الإمبريالي، وفي هذا الإطار رُسِمت صورة نمطيَّة سلبيَّة عن “الآخر” في الذِّهنيَّة الأوروبيَّة، تعزِّز عند الأوروبيِّ النَّظرة الدُّونيَّة إلى الشُّعوب الأخرى، وتكريس رؤية المركزية الأوروبية وتنزع عن الآخر كلَّ حقٍّ له في الكرامة البشريَّة.
والحقيقة الراسخة أن الاستشراق تأثر عميقًا بالتحيز، تحيزٌ أظهرته مجموعات أساتذة جامعات، ورجال أعمال، وعسكريين، وموظفين استعماريين، ومبشرين، ومغامرين، وكثيرٌ منهم كان هدفهم الوحيد جمعَ معلومات استخباراتية عن المنطقة المرادِ استعمارُها، والولوجَ لوعي شعبها؛ لضمان استعبادهم بأفضل طريقة. ومال المستشرقون والجماعات الأخرى المعنية بالأمر إلى رؤية الشعوب الشرقية “موضوعات للدراسة”، وكان متوقعًا ممن هم “موضوعات الدراسة” تلك أن يكونوا مذعنين، غير فاعلين، وغير مستقلين، ولا ذوي سيادة، مقابل الذي يقوم بالدراسة، الأوروبي “الإنسان الطبيعي” المتصف بالعلو والسمو.
ولكي ييسر المستشرقون دراستهم لمثل هذه الحضارات والثقافات “الكلاسيكية” أو “الميتة” جمع المستشرقون الغربيون في المكتبات والمتاحف الأوروبية، مجموعاتٍ عظيمةً من المخطوطات الشرقية، ومواد أخرى تتعلق بالشرق. وممن قدم السند والعون للمستشرقين في هذا الشأن إداريون مستعمرون، ومبشرون كاثوليك وبروتستانت، وآخرون غيرهم. ولقد بقي العديد من هذه المجموعات ممنوعة على العلماء، خصوصًا أولئك الآتين من الشرق.
وهنا تأتي أهمية مصطلح “الاستشراق الاستعماري”، أي التبادل، ذو الصبغة العلمية الخادعة، الذي تشهده دراسات المستشرقين، وهو تبادل وتكامل بين “مؤلفات علمية” تزعم التعريف بالعالم العربي أو الإسلامي، والمشاريع الاستعمارية، التي تتخذ من هذه الدراسات مبررًا لها، من أجل مزيد من التدخل، عبر الحديث عن نقل هذه العوالم الجديدة، حتى لو إجبارًا، من مراحل انغلاق متخيلة لمرحلة انفتاح على الحضارة والثقافة والرقي الاجتماعي. ومن الأمور التي يمكن أن تلفت نظر متصفح تراث الاستشراق الاستعماري، تلك الملاحظات والتعليقات المتناقضة التي وضعها كتاب وباحثون أوروبيون حول دور المرأة في المجتمعات الإسلامية، ففي حين تكثّف الدراسات والدعايات الاستعمارية الحديث حول حجاب المرأة المنتشر، تعمد الدراسات ذاتها في سياقات أخرى إلى إظهار نساء بأزياء “غرائبية” زاعمة أن هذا الزي المثير والكاشف هو الزي التقليدي والأصيل الذي يعبر عن الهوية المنسية لبلدان شمال افريقيا أو غيرها من المستعمرات. وعدد من رموز الاستشراق عمدوا إلى بناء فرضية جديدة مفادها، أن الحجاب حل محل هذه الأزياء الغربية المقدمة على كونها أزياء تقليدية ووطنية. هذا الإحلال، بحسب المنطق الاستشراقي، تم بشكل قسري وعلى غير الرغبات الشعبية التي تم تهميشها بعد فرض الثقافة الإسلامية. هذه الفرضية، ورغم هشاشتها التاريخية، كانت ناجحة في تحويل المهمة الفرنسية وغيرها من الحملات الاستعمارية، على الأقل في ذهن البعض، من حملة غزوٍ وتعدٍ، إلى مهمة ذات أبعاد ثقافية تضع ضمن أهدافها استعادة الثقافات الجذرية التي هددها “الغزو الإسلامي”. وشهدت مسارح باريس كثيرًا من العروض التي تظهر فيها نساء محجبات وهن يستبدلن في سعادة حجابهن بملابس هي خليط من خيال مصمميها.([12])
و”نعلم اليوم أن أولئك النساء اللواتي تم توظيفهن من أجل إيصال هذه الرسالة للجمهور لم يكونوا محجبات أصلًا، وإنما تم استخدام ملامحهن المشرقية للتدليل على الامتنان الذي تكنه شعوب تلك المناطق لفرنسا، التي ساعدت أبناءهم على استعادة ثقافاتهم الأصيلة، التي هي، وفي أحيان كثيرة، متوازية مع الثقافة الإسلامية. وقصة هذه العروض المسرحية، التي كانت تبدو للكثيرين نافذة وحيدة يمكن من خلالها النظر للشعوب الأخرى، تشبه في دعائيتها قصة طوابع البريد التي انتشرت بعد ظهور الصور الفوتوغرافية. كانت الفتيات المشرقيات يظهرن في هذه الطوابع بشكل يوحي بأنهن راغبات في الجنس أو باحثات عنه، ما رسّخ بشكل تدريجي صورة معينة عن نساء الجنوب في اللاوعي الجمعي الأوروبي سوف يأخذ الأمر كثيرًا من الوقت حتى يدرك الأوروبيون أن هذه الطوابع وغيرها من الصور التي كان يتاجر بها باعتبار أنها أصلية، لم تكن تمثّل حقيقة ملابس أو طبيعة النساء في تلك المناطق، بقدر ما أنها صنعت بغرض التشويق وباستخدام “موديلات” كن في أحيان كثيرة من البغايا، أو ممن تم تصويرهن وهن مكرهات.([13])
ودراسة الاستشراق الإنجليزي تكشف عن نسختين من الإسلام دينًا وحضارةً:
- واحدة مستمدة من الحب والعقيدة والتراث
- الثانية مستمدة من الكراهية والشك والظنون.
وهناك افتراق تام بين النسختين على جميع الأسس. ومن الناحية المثالية، ينبغي ألا يكون للمعرفة حدود قومية أو عرقية؛ لكن مثل هذه المعرفة لا يمكن أن تتحصل طالما أن الاستشراق البريطاني تتحكم به “جمعية سرية” و”غالبهم من اليهود الصهاينة”.
أما الاستشراق الفرنسي فمبعثه الرئيس أن فرنسا أكثر المستعمِرين اهتمامًا بالدِّراسات الأنثروبولوجيَّة، وقد راجت بها تلك البحوث في العقود الأخيرة من القرن 19 1870، فتمَّ إنشاء:
- مدرسة الأنثروبولوجيا بباريس 1876.
- متحف تروكاديرو للسُّلالات 1878، وكانت تُعرف بالدِّراسات الإثنوغرافيَّة.
وكُتبت في تلك الفترة، إلى ما قبل الحرب العالميَّة، معظم البحوث الأنثروبولوجيَّة على أيدي القادة والحكام الفرنسيِّين بمستعمرات فرنسا؛ وبعض دراسات هذه الفترة لا تزال تعدُّ أهمَّ المرجعيَّات في موضوعها إلى الآن. ومن الموضوعات التي دَعَم بها الباحثون الأنثروبولوجيّون المشروع التوسعي الفرنسي “الأجناس”؛ وفيه ركَّز الأنثروبولوجيُّون على ما سمي: “سياسة الأعراق”. وفرنسا خاصَّة؛ وظَّفت هذا الزَّعم في جميع مستعمراتها، وفي مقدمتها الجزائر.
والمحصلة أنَّ الأنثروبولوجيِّين قدَّموا للمُستعمِرين الأفكار الضَّروريَّة التي وظَّفوها في وضع الخطط والقرارات، وطرق احتواء الشُّعوب ثقافيًّا. على النحو التالي:
- جعلوا ثقافة الغرب هي المطَّلعة الوحيدة على ثقافة الشُّعوب. بالمقابل؛ قاموا بتقديم مفردات ثقافة الغرب إلى الشُّعوب بالصورة التي تريدها هي.
- أعطوا الغرب مفاتيح استغلال تلك القنوات الثَّقافيَّة لإحكام سيطرته على أصحاب الثَّقافات المكتشَفة.
- صدروا الأوهام والأباطيل التي تؤلّه الرَّجل الأبيض، وتضرب هالة مزَّيفة حوله، مثل: (الرَّجل الأصفر يعيش في الماضي، والأسْوَد في الحاضر، والأبيض يعيش في المستقبل).
- تصنيفهم الأجناس إلى أطفال وراشدين، وفَعَلة وسادة، وترويجهم لأكذوبة عبء الرَّجل الأبيض ورسالته الحضاريَّة.([14])
الاستشراق والإسلام:
يتأكَّد الاهتمامُ الاستشراقيُّ بالإسلام في السِّياق الفرنسيِّ؛ لكَوْن مستعمرات فرنسا بإفريقيا– إلاَّ ما ندر- مسلمةً: من الجزائر حتى غينيا غربًا، وجاء تأكيد هذا في مقولة الحاكم الفرنسيِّ العام بالسنغال ويليام بونْتي: “إنَّ من واجبنا دراسة المجتمع المُسلم في مستعمراتنا بکلِّ تفاصيله (…)، سوف نجد في هذه الدِّراسة الأُسس الثَّابتة والتَّوجُّهات الأکثر ملاءمةً لخُططنا وقراراتنا تجاه المسلمين”. عليه؛ فقد هبَّ كثيرٌ من رجالات الاستعمار الفرنسيِّ إلى دراسات مستفيضة عن المسلمين، منها: دراسات لويس رين عن الإسلام بالجزائر. والحاكمُ الفرنسيُّ فيديربْ قال في خطابٍ له عام 1860: “يا شعبَ السِّنغال؛ إنَّ معظمكم قد ورث ديانة العرب عن آبائكم، ونحن لا نعارض ذلك، وإنْ كنَّا نأسفُ له من أجل مصلحتكم أنتم. ورُّغم ذلك؛ فإنَّكم لستُم مُلْزَمين بتاتًا باتِّباع العرَب في عاداتهم وتقاليدهم وفي قِيَمهم، وفي جهالاتهم. فلا تذهبوا عند المورْ للبحث عن مُثُلكم ونماذجكم الفكريَّة، بل تجدونها عندنا، نحن المحبِّين للسَّلام والنِّظام”. ومن القادة العسکريِّين والإداريِّين الذين عملوا بالجزائر، وتمَّ نقلهم إلى غرب إفريقيا لتطبيق سِّياسة استيعابيَّة كوبولاني ودوبون.([15])
وقد صاغ باحثون مصطلحًا للإشارة إلى الاستشراق المعادي للإسلام – ما يؤكد أنه ظاهرة واضحة المعالم وقابلة للتعريف الجامع المانع – والمصطلح: “الاستشراق المتشدد”، يستخدمه الباحثون لوصف “الاستشراق الأيديولوجي في أكثر أشكاله وضوحًا، وتحيزًا، وصلابة، وتشددًا، وهيمنة، وبخاصة معاداة الإسلام”.([16])
([1]) 35 عامً على الاستشراق، أحمد بن راشد بن سعيّد، مقال، الجزيرة نت، 14 سبتمبر 2013 الرابط: http://cutt.us/eSlTV
([2]) أدب الرحلات والاستشراق.. البحث عن منهج، هلال الحجري، مصدر سبق ذكره، ص 10.
([3]) 35 عامً على الاستشراق، مصدر سبق ذكره.
([4]) أدب الرحلات والاستشراق.. البحث عن منهج، هلال الحجري، مجلة نزوى، مؤسسة عمان للصحافة، العدد: 55، يوليو 2008، ص 10 – 11.
([5]) 35 عامً على الاستشراق، أحمد بن راشد بن سعيّد، مصدر سبق ذكره.
([6]) 35 عامً على الاستشراق – أحمد بن راشد بن سعيّد – مصدر سبق ذكره.
([7]) 35 عامً على الاستشراق، أحمد بن راشد بن سعيّد، مصدر سبق ذكره.
([8]) أدب الرحلات والاستشراق.. البحث عن منهج، هلال الحجري، مصدر سبق ذكره، ص 12.
([9]) الاستشراق الفرنسي وأثره في المشروع الإمبريالي بإفريقيا، دكتور آدم بمبا، مجلة قراءات إفريقية، لندن، مارس 2018.
([10]) الاستشراق الفرنسي وأثره في المشروع الإمبريالي بإفريقيا، دكتور آدم بمبا، مصدر سبق ذكره.
([11]) الاستشراق الفرنسي وأثره في المشروع الإمبريالي بإفريقيا، دكتور آدم بمبا، مصدر سبق ذكره.
([12]) المرأة والحجاب تناقضات الاستشراق الاستعماري، دكتور مدى الفاتح، مقال، جريدة القدس العربي، 2 يوليو 2019.
([13]) المرأة والحجاب تناقضات الاستشراق الاستعماري، دكتور مدى الفاتح، مصدر سبق ذكره.
([14]) الاستشراق الفرنسي وأثره في المشروع الإمبريالي بإفريقيا، دكتور آدم بمبا، مصدر سبق ذكره.
([15]) الاستشراق الفرنسي وأثره في المشروع الإمبريالي بإفريقيا، دكتور آدم بمبا، مصدر سبق ذكره.
([16]) https://www.orientalismstudies.com/h
إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.
أخبار بلا حدود الاخبار على مدار الساعة