
أخبار بلا حدود- عنوان مختصر لمقالي هذا، عبر ملامح متباينة بين الصرامة والتأسف ، ملوحا لي قلمي أن أكتب بكل شفافية وصراحة، فمن المسؤولية وضع أصبع التقييم والنقد على جرح المآسي والأخطاء التي نقرأها او نعيشها وحتى نسمعها ضمن قصص طالت أناسا ، لم يحملوا من الجد عناء مساءلة الحكيم أيا كانت حرفته ، طبيبا أو ناصحا أو خبيرا في تجارب الحياة لاسداء النصيحة والعبرة لمن يطلبها بدافع الحاجة والحرمان، ولمن جرب ووقعت معه أخطاء حتما سيفهم أنها مؤلمة في جوانبها وعابرة في جوانب ضيقة من الأثر..ولكن بصعوبة، فنسيانها ليس سهلا وبقائها لا يُحتمل.
نبدأ بفئة مرضى السرطان ، هذه الفئة التي تلازم مصالح المستشفيات ملتزمة بمواعيد مضبوطة لا يمكنهم التأخر عنها، لأن الموعد يتعلق بكشف طبي أو جرعة دواء يجب أن تؤخذ في وقتها المحدد ، حقنة كانت أو فحصا دوريا لمتابعة تطورات المرض عافانا والله واياكم منه وشفى كل مريض شفاء تاما .
لا نخفي اعترافا أن الدولة وفرت كل امكانياتها اللازمة في قطاع الصحة لكفاية الحاجة من الدواء والموارد البشرية من أخصائيين وكذا برامج علمية في هذا الصدد مثل عقد مؤتمرا ت ولقاءات دورية لدراسة مستجدات مرض السرطان باختلاف أنواعه والفئات التي تُصاب به ، الا أن المرض في تزايد بحسب آخر تصريح لوزير الصحة البروفيسور آيت مسعودان في احدى اللقاءات الصحفية ، ما يعني أن ثمة قلق لابد من دراسته لمعرفة الأسباب ووضع الآليات المناسبة للعلاج والتقليل من نسبة الانتشار للمرض الخطير.
لكن ماذا لو تابعنا معاناة مريض السرطان بغض النظر عن بروتوكول العلاج وهو الرعاية النفسية التي قد يغفل عنها أهل المريض وحتى مستخدمي الصحة في المستشفى ، فهذا المرض له رعاية خاصة ونصف العلاج في الجانب النفسي ، ومن الخطأ الالتزام بالعلاج الدوائي فقط ، نعم من الخطأ أن يتعود المريض على ارتياد المستشفى بشكل متكرر لينتظر في الطوابير مع مرضى آخرون لهم نفس المشكلة الصحية وهو متعب ومنهك نفسيا ، ومن الخطأ أيضا عدم تطوير بروتوكول العلاج لهذا الداء ، بما أن نسبة الاصابة في ارتفاع ، فيجب الانتباه الى وضع رزنامة عمل صارمة يُفتح المجال فيها للبحث العلمي لإيجاد بدائل علاجية أكثر نجاعة ، فالعلم في تطور مستمر و كرار نفس الطرق المعتمدة منذ حقبة زمنية طويلة تشير الى عدم مواكبة المستجدات العلمية ، فلحد الساعة لم تلقى مسامعنا برامجا تطويرية لعلاج داء السرطان ( إيجاد مثلا تقنية جديدة فعالة) أو على الأقل جلب الكفاءات من الخارج مع تحضير بيئة عملية تليق بامتياز الخبرة لديها وتوفير كل الإمكانيات اللازمة لإيجاد حلول عاجلة لعلاج أمثل وأنسب ، فنفس الكلام يعاد في نفس اللقاءات العلمية الحالية وهذا مضيعة للوقت ولفرصة البحث عن الجديد، فالتغيير في بروتوكول علاج السرطان أصبح ضرورة صحية ، والكشف المبكر ليس بحل نهائي.
هذا عن فئة من المرضى في قطاع الصحة، الآن قطاع العدالة الذي تأخذ فيه قضايا المشتكيين وقتا طويلا للفصل فيها بأحكام نهائية ، وخاصة اذا كانت القضية المتداولة فيها ذات أهمية بالغة ، ومن الخطأ عدم تسريع وتيرة الفصل في القضايا ببذل جهدي إضافي في تسريع التنسيق بين الأطراف القانونية من شرطة ورجال تحقيق وخبراء فنيين ، ثم الرقمنة في قطاع العدالة فتحت فرصة جديدة نحو توثيق المعلومات وهو إضافة تحسينية في القطاع من أجل تنظيم الأداء القضائي في العدالة، لكن من الخطأ عدم الالتفات نحو حاجة المواطنين الذين أودعوا شكاويهم وهم ملزمون بالانتضار، فهناك قضايا لا تحتاج لتمديد المهلة الزمنية، يعني الكلام الاعتيادي عن اصلاح العدالة صار مادة مستهلكة ان لم يرافقها ضرب الطاولة على قضايا المظلومين بقبضة من جدية وصرامة وخفة فصل فيها، فصنف من المتضررين هو مظلوم من موقع الاعتداء عليه وعناء الذهاب للعدالة يعتبر عبئا إضافيا ،هذا بغض النظر عن المتجاوزين للقانون ، فهم مصنفون في خانة المتهمين أو مرتكبي المخالفات وحتى الجرائم، فما أقصده هو تخصيص الاهتمام بشكاوي المظلومين الذي وضعتهم الظروف والمظالم لأن يكونوا طرفا في النزاع فيفتحون لأنفسهم ملفا قضائيا للمتابعة، هم في حقيقتهم في غنى عنه.
نأتي الى شباب المهلوسات والمخدرات في مشاهد مؤسفة لانتشار ظاهرة تعاطيها علنا ،يعني البعد الأخلاقي في التستر لم يعد سلوكا تفرضه القيم في أن يداري الشباب هذا الاستهلاك أو المتاجرة بعيدا عن أعين الغير، ومن الخطأ غياب الأخصائيين الاجتماعيين والنفسانيين في دراسة هذه الظاهرة وإيجاد الحلول المستعجلة ورفعها لأعلى مستوى لاستخلاص التوصيات وتطبيقها ميدانيا ، بدل الاكتفاء بنشر عمليات الإحباط التي تقوم بها الأجهزة الأمنية على شاشات الاعلام وهي مشكورة على جهودها، لكن من الخطأ أن يصبح سلوك تعاطي المهلوسات سلوكا عاديا ، في حين أن الجهود تبذل من أجل تحصين ومتانة الجبهة الداخلية، هذه الجبهة اذا كان شبابها الذي هم أساس البناء مغيبون ومخدرون ، فعلى من نعول للنهوض بهذا البلد؟، ثم من الخطأ الركون للراحة في شهر الفضيلة وتقليل الجهود بذريعة الصيام، بالعكس اليقظة والعمل الجاد مطلوبان على مدار العام لأننا لسنا في موضع تقدم في معالجة بعض الآفات الاجتماعية قد نحسد عليه من الدول الأخرى..
ومن الخطأ كذلك معالجة بعض القضايا الاجتماعية بما يستنزف جيب المواطن كدفع غرامات إضافية أو تسديد رسوم بسبب مخالفات مرورية لا يرقى التجاوز فيها للمحاسبة بتغريم مادي ، أو معالجة حالات الطلاق بأن يسدد الرجل مبلغا خياليا من أجل التعويض عن الضرر الذي لحق بالزوجة، فنحن اليوم بحاجة الى عملية اصلاح وتقويم للسلوك وليس اللجوء لحلول فيها الكثير من المتاعب التي تعقد الأمور أكثر ، فهناك مشاكل تحل بإعادة التأهيل السلوكي وبإصلاح ذات البين ، ثم نحن كمسلمين نملك منظومة أخلاقية كاملة تستمد فصول أدبيات التعامل فيها من القرآن الكريم والسنة النبوية ، فلا حاجة لنا لنقل التجربة الأجنبية مثلا وتطبيقها على أعرافنا الاجتماعية وتحويلها الى قانون مقنن يستنزف الجيب ويفسد العلاقات الاجتماعية وتتضرر فئات أخرى كالأطفال باعتبارهم ضحايا لحالات الطلاق المرتفعة وأحيانا على أتفه الأسباب ، فالخطأ كل الخطأ أن تتم المعاقبة على الخطأ بدل تجريب طرق إصلاحية اذا كان يسيرا لا يرقى لمستوى الضرر البليغ ، والتجربة تبقى مطروحة لاختيار الأنسب فالأنسب للمشاكل الاجتماعية ..يعني فيه مرحلية في علاج أي مشكلة .
كانت هذه عينات من بعض القضايا المستمدة من الواقع المعاش ولم تكن تصورا، ومن الخطأ القول أنها مشاكل عادية أو أن الناس اعتادوا عليها، فالاعتياد على السلبيات خطأ لا يغتفر اذا كان التمادي في اعتباره عاديا ، فهو يخلق الفوضى مع مرور الوقت ، فاذا كنا نرغب في الخروج من عنق زجاجة الرداءة فالواجب هو الانتباه الفوري لهذه المشاكل والنقائص وعدم تركها بلا متابعة حتى تصبح سلوكا اعتياديا .
أتمنى أن فكرة الخطأ في مثل هكذا قضايا قد وصلت وأتمنى الالتفات اليها بجدية لأن تكرارها يخلق مشكلة والمشكلة بدوامها تصير معضلة، لأن تقبلها كان من جميع الأطراف الفاعل بسلوكه والمشاهد بسكوته والمسؤول بينهما بتسويفه للمشكلة وعدم إعطائها بعدها الحقيقي من الآثار الجانبية سواء على المدى القصير أو البعيد.
سميرة بيطام: ظاهرة التنمر ثقافة مكتسبة أم اهتزاز لثقة المتنمر؟
إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.
أخبار بلا حدود الاخبار على مدار الساعة