عاجل

متى نكبر في العمر – د.أحمد لطفي شاهين

احمد لطفي شاهين

أخبار بلا حدود- فلسطين المحتلة

هل نكبر عندما يشيب الشعر؟ او يشير التاريخ إلى يوم ميلادنا ونكتشف انه مر خمسة او ستة عقود؟،

او عندما تتساقط أسناننا مهاجرةً دون إذن منا بعد عقود من العمل الشاق؟،

او عندما نصبح عاجزين عن الحياة دون نظارة ملتصقة في وجوهنا؟

او حينما تغزو التجاعيد ملامحنا ،وتنحني ظهورنا؟

لا . لا. هذه مجرد علامات ظاهرية.. لكننا نكبر فعلا حينما يسرق الموت عزيز في حياتنا فجأة ، هنا يشيب القلب
نكبر حين تستغيث آذاننا مطالبةً بكلمة حبّ هاربة ولو بالصّدفة إلى مجرى سمعنا، نكبر عندما يعصف فصل الخريف بعلاقاتنا ويتساقط البشر من حولنا فجأة، نكبر عندما نتمسّك بأذيال ضحكة زائفة مع شخص زائل، نكبر حين تشرق الشمس وتغيب دون أن نجد من نشاركه تفاصيل ايامنا،

نعم

نكبر حين تهرم قلوبنا وتشيب أرواحنا لا لأن الزمن مرّ بنا، بل لأن شيئًا فينا انكسر بصمت، وأعاد بعثرتنا من الداخل دون أن يستأذن

لقد تعلّمنا أن الابتسامة قد تكون قناعًا رقيقًا نُخفي خلفه دموعًا لم تجد طريقها للبوح، وأن الكتمان ليس قوة كما ظننا، بل ضريبة ندفعها حين لا نجد من يفهمنا، أو حين نخشى أن نُثقل على من نحب.
ومع ذلك…

يمتلئ الصدر بما لا يُقال،

حتى نُدرك متأخرين أن بعض الحكايات لا تُشفى بالصمت… بل بالاعتراف بها، ولو بيننا وبين أنفسنا.

لذلك نحن بحاجة دائما الى من يبقى معنا ويسمعنا ونسمعه ويرافقنا حتى الموت بحب وحنان.

إن نهايات العلاقات ليست هي ما يؤلم، بل تلك القصص التي تبقى معلّقة في افواهنا، لا رحلت تماماً ولا بقيت كما كانت، كأنها اختارت أن تسكننا بدل أن تعيش معنا.

إننا لا نفقد أشخاصًا فقط، بل نفقد أجزاءً منّا كانت تُشبههم، فنُجبر على أن نكبر فجأة، وأن نُعيد ترتيب قلوبنا التي تتبعثر بعد غيابهم عنا بسبب او لآخر فنُدرك حينها أننا كنّا نُزيّن “غرف الغرباء” ونؤجّل السكن في أنفسنا، حتى تأتي لحظة وعيٍ حاسمة، ننثر فيها أوراق الذكريات…

لا لنُحيي ما مضى، بل لنُعلن أن كل شيء إنتهى إن بعض الذكريات تظلّ مثل شوكة، اوغصّة كلما مرّت في البال، لكنها مع الوقت .. تتحوّل من ألمٍ حادّ إلى معنى نفهمه أكثر مما نشعر به. فنتعلّم أن نُطفئ الحنين دون أن نقتله، وأن نحمل الماضي دون أن ننحني تحت ثقله، ونتعلم أن الوفاء لا يعني الانتظار، ولا أن نبقى أسرى لما كان، بل أن نحفظ الجميل ، ونمضي دون أن نخون أنفسنا.

فالقوة ليست في أن لا نشعر فقط ، بل في أن نحمل كل هذا الشعور، ونواصل الطريق… بهدوءٍ لا يراه أحد.
وفي لحظة ما…نلتقي بأنفسنا من جديد، تلك الروح التي ضاعت في زحام التعلّق، عندما نكبر نفهم أخيرًا…
أن بعض النهايات، ليست نهاية حكاية مع أحد، بل بداية صلحٍ عميق مع الذات فالوقت‏ عدّادٌ صادق جداً، لكنّه لا يكذب إلّا عندما يحسب من أعمارنا أعواماً لم نعش منها سوى أيّام.

ختاما .. ثق تماماً أنه في وقت ما من عمرك وفجأة سيبعث الله لك من يشبهك.. يوازي روحك… يمسك بيديك عندما تتعثر حياتك ويعلمك أن لا تيأس، يأخذ بقلبك إلى الطريق الصحيح .. إنسان يحبك بلا سبب ولا هدف ولا مصلحة لكنه يفسد في عينيك كل لحظات اليأس التي عاثت خراباً في داخلك .. وأجمل ما سيقدمه لك أن يجعلك تطمئن.. يجعلك تشعر بلهفة الحب.. ومتعة الحياة إن كل شيء قد يمكن تمثيله .. الا لهفة الحب والأشواق بصدق لا يمكن تمثيل الصدق لأنه إحساس ، لذلك كله ,‏‌‌‏‌‌‌‌‌‌‌‏‌‌‏‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‎‌‌‌‌‌‌‏‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‏ ‌‏‌‌لا تجعل مقياس عمرك بالسنوات، ولا تلك الأيام التـي لم يتغير بها سوى التاريخ .. بل اجعل المقياس هو أحلامك حتى و إن لم تتحقق ، و عثراتك و إن لم تنهض، وخيباتك ورصيد تجاربك حتى و إن كان نجاحك الوحيد بها هو المحاولات فقط..

وعندما ينتهى عمرك اجعلهم يتذكروك بالخير ويقولوا: مات عن عمر يناهز .. الستين حلماً و الألف محاولة، و بعض الإنجازات عاش كبيراً ومات كبيراً فإلى رحمة الله.

أخطر أشكال المغادرة – د.احمد لطفي شاهين

الدكتور الفلسطيني: احمد لطفي شاهين.

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

ممدوح الشيخ

الاستشراق والهيمنة الغربية على الشرق – ممدوح الشيخ

أخبار بلا حدود- رغم كثرة الأدبيات، في الثقافات الشرقي الغربية المختلفة، التي حاولت تقديم قراءة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *