عاجل

العقل الذي فقد خريطته: لماذا تتحوّل الثقافة العربية إلى ذاكرة بلا اتجاه؟ – لطفي العبيدي

لطفي العبيدي
 

أخبار بلا حدود- ليست أزمة الثقافة العربية اليوم في ضعف إنتاجها بقدر ما تكمن في عجزها المتزايد عن تنظيم ما تنتجه. فالعالم العربي يعيش مفارقة تبدو، للوهلة الأولى، شديدة التناقض: تضخم غير مسبوق في المعرفة يقابله تراجع واضح في القدرة على الفهم والتأثير. الكتب تتكاثر، الجامعات تتوسّع، المحتوى الرقمي يتدفق بلا توقّف، والخطابات الفكرية والسياسية والدينية تملأ الفضاء العام، ومع ذلك يتزايد الشعور بأنّ هذا الفيض الهائل لا يتحوّل إلى قوة حضارية حقيقية، بل إلى نوع من الضوضاء الثقافية المتراكمة.

هنا تحديدا تبدأ المشكلة الأعمق: نحن لا نعاني من نقص في المعلومات، بل من فقدان ’’الخريطة‘‘ التي تمنح هذه المعلومات معناها واتجاهها.

لقد قامت الحضارات الكبرى دائما على امتلاك قدرة خاصة في تنظيم العالم ذهنيًّا قبل السيطرة عليه ماديًّا. فالحضارة ليست مجرد تراكم كتب أو اكتشافات أو مؤسسات، بل هي قبل كل شيء طريقة في ترتيب المعرفة وربط عناصرها داخل نموذج متماسك للفهم. ولهذا لم ينتصر الغرب الحديث فقط لأنّه امتلك الصناعة أو التكنولوجيا أو القوة العسكرية، بل لأنّه امتلك قبل ذلك قدرة هائلة على بناء ’’خرائط ذهنية‘‘ تُنظّم الواقع وتعيد تصنيفه وتحويله إلى أنظمة قابلة للإدارة والتطوير والتوسع.

في المقابل، تبدو الثقافة العربية الحديثة وكأنّها تتحرّك داخل أرشيف ضخم بلا هندسة واضحة. هناك تراكم هائل للنصوص، لكن الروابط بين هذه النصوص ضعيفة، والمجالات المعرفية تتحرّك غالبًا في جزر منفصلة، فيما تتكرر الأفكار نفسها بأشكال مختلفة دون أن تتحوّل إلى تقاليد معرفية مستقرة أو مشاريع فكرية طويلة النفس. ولهذا تبدو الثقافة العربية كثيرة الكلام لكنّها محدودة التراكم، غنية بالتعليق وفقيرة في بناء النماذج.

هذه الأزمة ليست تفصيلًا تقنيًا، بل أزمة حضارية كاملة تتعلق بطريقة اشتغال العقل نفسه. فكل ثقافة تحتاج إلى ’’جغرافيا ذهنية‘‘ تنظّم بها علاقتها بالعالم: كيف تُبنى المفاهيم؟ ما الأولويات؟ كيف تُربط السياسة بالتاريخ بالدين بالاقتصاد بالتكنولوجيا؟ وكيف تتحوّل التفاصيل المتناثرة إلى رؤية كلية؟. حين تغيب هذه الجغرافيا، تتحوّل الثقافة دون أدنى شك إلى كتل متجاورة من المعلومات لا تنتج معنى متماسكًا.

ولهذا يمكن القول إنّ جزءًا كبيرًا من مأزق العالم العربي المعاصر يعود إلى فشل طويل في بناء ’’هندسة للمعرفة‘‘. فمنذ عقود، جرى التعامل مع الثقافة بوصفها عملية تجميع للمضامين أكثر من كونها بناءً للنماذج. ازدهرت الحفظية أكثر من التحليل، والتكديس أكثر من التركيب، والنقل أكثر من إنتاج أنظمة تفسيرية جديدة قادرة على فهم التحولات الكبرى في العالم.

لكن خطورة هذا الوضع تضاعفت مع الثورة الرقمية. ففي الماضي، كان ضعف تنظيم المعرفة مشكلة ثقافية يمكن التعايش معها نسبيًّا. أما اليوم، وفي عصر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، فقد أصبحت القدرة على تنظيم المعرفة شرطا أساسيًّا للقوة نفسها. العالم لم يعد يُدار بالمعلومات الخام، بل بالأنظمة التي ترتّب هذه المعلومات وتحوّلها إلى شبكات ذكية من العلاقات.

هنا بالتحديد تتكشف الفجوة الحضارية الجديدة. فبينما انتقلت القوى الكبرى نحو اقتصاد البيانات، والذكاء الشبكي، وهندسة الإدراك، ما تزال قطاعات واسعة من الثقافة العربية تفكر بمنطق ’’الأرشيف الورقي‘‘ : تخزين متواصل للمعلومات دون بناء أدوات فعالة لربطها وتحويلها إلى نماذج تفسيرية ومنظومات إنتاج معرفي. ولهذا تتضخم النصوص بينما يتراجع التأثير، وتتوسع المؤسسات بينما يضعف الإبداع الحقيقي.

الأمر لا يقتصر على الحقل الثقافي أو الأكاديمي فقط، بل يمتد إلى السياسة والإعلام والتعليم وحتى الخطاب الديني. ففي كثير من الأحيان، يبدو العقل العربي عاجزًا عن بناء صورة كلية مترابطة للأزمات التي يعيشها. كل قضية تُناقش منفصلة عن الأخرى، وكل ملف يتحوّل إلى جدل جزئي معزول، بينما تضيع العلاقات البنيوية العميقة بين الاقتصاد والسلطة والثقافة والتكنولوجيا والإعلام.

ولهذا تتحرّك المجتمعات العربية غالبًا داخل ردود فعل متقطّعة بدل أن تمتلك رؤية استراتيجية طويلة المدى. إنّها تستجيب للأحداث أكثر مما تفسّرها، وتستهلك الوقائع أكثر مما تعيد تنظيمها داخل نموذج للفهم.

المفارقة الأخطر أنّ العالم نفسه دخل مرحلة جديدة أصبحت فيها ’’إدارة الإدراك‘‘ جزءًا من موازين القوة العالمية. فالقوى الكبرى اليوم لا تهيمن بالسلاح فقط، بل بالقدرة على تشكيل الطريقة التي يرى بها الناس العالم. الإعلام الرقمي، والمنصات، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، كلّها أدوات لإنتاج خرائط ذهنية جديدة تعيد ترتيب الانتباه والمعنى والذاكرة. ومن لا يمتلك خرائطه الخاصة، يعيش بالضرورة داخل خرائط يصنعها الآخرون له.

هذه هي المعضلة العميقة التي تواجه الثقافة العربية اليوم. فهي لا تعاني فقط من أزمة إنتاج معرفة، بل من أزمة سيادة معرفية. أي من فقدان القدرة على بناء النماذج التي تفسر العالم من داخلها، لا من خلال استهلاك النماذج الجاهزة القادمة من الخارج. ولهذا يبدو العقل العربي، في كثير من الأحيان، وكأنه يتحرك داخل خرائط مفهومية لا يملكها بالكامل، ولا يتحكّم في منطقها الداخلي.

في هذا السياق، تصبح معركة المستقبل أعمق بكثير من مجرد اللحاق التكنولوجي أو تطوير التعليم بمعناه التقليدي. إنّها معركة تتعلق بإعادة بناء ’’العقل المنظم‘‘، أي العقل القادر على الربط بين المعارف، وتحويل التراكم إلى اتجاه، والمعلومات إلى معنى، والفوضى إلى نموذج للفهم.

السؤال الحقيقي لم يعد: كم نُنتج من المعرفة؟ بل: كيف نبني خرائط جديدة لهذه المعرفة؟ كيف ننتقل من ثقافة التكديس إلى ثقافة النمذجة؟ ومن عقلية الحفظ إلى عقلية الشبكات؟ ومن أرشيف النصوص إلى هندسة المعنى؟.

لأنّ الأمم لا تنهض فقط بما تعرفه، بل بالطريقة التي تنظّم بها ما تعرفه. وبين حضارة تنتج خرائطها الخاصة، وأخرى تكتفي بالتجوّل داخل خرائط الآخرين، يتحدد موقع الشعوب في العالم الجديد.

العقدان القادمان: الطاقة ومضائق النفط في قلب السياسة الدولية – لطفي العبيدي

الكاتب التونسي: لطفي العبيدي

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

ممدوح الشيخ

الاستشراق والهيمنة الغربية على الشرق – ممدوح الشيخ

أخبار بلا حدود- رغم كثرة الأدبيات، في الثقافات الشرقي الغربية المختلفة، التي حاولت تقديم قراءة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *