
فرنسا العربية:
الإسلام وصناعة أوروبا الحديثة (1798- 1831)
تأليف: إيان كولر
ترجمة وتقديم: ممدوح الشيخ
الناشر: مركز نماء للبحوث والدراسات
سنة النشر: 2026
عدد الصفحات:
في خضم الاستعداد للحرب على العراق في 2003 امتلأ فضاء الخطاب التحليلي العربي بتعبير: “فرنسا العربية” في الإشارة إلى الموقف الفرنسي من الحرب، وفي 2007 وقبيل الانتخابات الفرنسية صدر كتاب بعنوان: “سياسة فرنسا العربية”، ليضع بين يدي القارئ خلاصة مفادها أن سياسة فرنسا تجاه العالم العربي بقيت ثابتة متمتعة بقدر من الاستقلالية عن نظيرتها الأمريكية رغم تعاقب الرؤساء منذ دشنها شارل ديغول في الستينيات. ما كان يعني بحسب الكاتب (الأستاذ الجامعي) شارل سان برو أن ثوابت هذه السياسة تتمتع برسوخ ملحوظ.
لكن الرابطة بين فرنسا والعالم العربي في الحقيقة أقدم وأكبر وأعمق من هذا الخطاب السياسي الآني، وتعود أهمية هذا الكتاب أنه ي- حرفيًا – يعيد كتابة فصل مبكر من تاريخ هذه العلاقة. و”فرنسا العربية” في أوائل القرن 19، مساحة تاريخية لم يظهر حضورها الكامل في السجلات الرسمية. وتستكشف هذه الأطروحة الأكاديمية قصة مسار الخليط البشري الذي قرر الرحيل عن مصر مع الجيش الفرنسي المنسحب بعد فشل الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801).
شظايا وثائق
و”فرنسا العربية” ليست تاريخًا وهميًّا، بل دراسة للشظايا المنسية: رسائل بالعربية، سجلات الشرطة، شواهد قبور، لوحات فنية وأرشيفات متعددة، تكشف عن حياة العرب الذين استقروا في فرنسا بعد الحملة المصرية ونفوذ نابليون.
وعبر صفحات الكتاب تلمع وجوه تجار ومحتالين وجنود وعلماء، يروي الكتاب قصصهم الفردية والجماعية، ويدرس شبكة علاقاتهم عبر اللغة والثقافة العربية، متجاوزًا الحدود السياسية والجغرافية التقليدية بين أوروبا والعالم الإسلامي.
ويعيد هذا الكتاب تصور الفضاء الاجتماعي والثقافي لهؤلاء المهاجرين، مسلطًا الضوء على حياتهم اليومية، ومصاعبهم، وتحالفاتهم، وصراعاتهم، في قلب باريس ومرسيليا ومدن فرنسية أخرى. وتشمل مصادر الكتاب وثائق تاريخية تندمج مع تحليل اجتماعي –ثقافي، لاستجلاء الكيفية التي ساهم بها هؤلاء المهاجرون العرب في إعادة تشكيل الحياة الفرنسية وتوسيع إدراك أوروبا لمجتمعات متعددة الثقافات قبل الحقبة الاستعمارية. وكيف خلق هؤلاء المهاجرون أنماطًا جديدة من الحياة لا تنتمي إلى العالَم الذي تركوه، ولا تنتمي إلى عالَم المهجر؛ العالَم الذي بنوا فيه “فرنسا العربية”.
والمحصلة ليس دولة أو حقبة، بل فعل رؤية متعمد وخيار تاريخي ومساحة إمكان، تتيح للقراء استكشاف تجربة هجينة بين الشرق والغرب، وتفتح آفاقًا جديدة لفهم التفاعل بين الثقافات، وإسهام المهاجرين العرب في النسيج الاجتماعي الفرنسي، بعيدًا عن الروايات الرسمية والتصورات الاستعمارية التقليدية.
انتشال ما طواه النسيان
الباحث والمترجم المصري باهر سليمان يصف الكتاب قائلًا إن فكرة الكتاب تنطوي على نباهة، وإن ما جرى به قلم مترجمه ممدوح الشيخ من بيان سائغ يأسِر القارئ ويُحبّب إليه أن يدوم في الرحلة فلا يبلغ لها نهاية. والكتاب جهد جسور لانتشال ما طواه النسيان، كان بمقدوره لو تحقق أن يبدل طريقة فهمنا لفرنسا وأوروبا والعرب جميعًا.
ولعل أبلغ ما يماط عنه اللثام في هذا المقصد أن – بحسب باهر سليمان – أن المؤلف يفتتح كتابه من اضطرابات الضواحي الباريسية سنة 2005، ومقتل الشابين (زيد بنّا) و(بونا تراوري) تحت مطاردة الشرطة؛ وما أعقب ذلك من فزع جعل الدولة الفرنسية ذاتها تعترف بأنها ترتطم بأزمة معنى، وأزمة قيم، وأزمة هوية.
ومن هذا الجرح الملتهب، يعود كولر إلى قرنين سالفين ليسائل التاريخ سؤالا يبدو لغير المتأمل نائيًا عن الواقع: متى بدأ الوجود العربي في فرنسا؟ وهل كان العرب على أرضها دائمًا غرباء طارئين، كما توحي الروايات الشائعة التي تجعل الهجرة وليدة الاستعمار والقرن العشرين؟ أم أن في صميم التاريخ الفرنسي تاريخًا عربيًا منسيًا، شارك في بناء فرنسا الحديثة قبل أن يُعاد تعريفه، ثم يدفعه الاستعمار والنزعات القومية إلى الهامش؟
تلك هي الفكرة الكبرى التي ينتظم حولها الكتاب؛ فلم تكن “فرنسا العربية” تجمعًا عارضًا للمهاجرين، ولا صورة مصغّرة لفرنسا داخل فرنسا، وإنما كانت فضاءً تاريخيًا هجينًا صاغته الحركة لا الجمود، والتفاوض لا النقاء، والعبور لا الحدود. فضاء تشكّل بين مصر والشام ومرسيليا وباريس، واشتبك فيه الإسلام بالمسيحية، والعربية بالفرنسية، والانتماء المحلي بالانفتاح الكوزموبوليتي. ولم يكن هؤلاء العابرون جميعًا مصريين ولا مسلمين، بل كانوا أقباطًا وموارنة وملكيين ومسلمين ويهودًا، جمع بينهم عالم ثقافي إسلامي التكوين، واللغة العربية، ومسارات الهجرة.
والمؤلف بكتابه يتجاوز السرديات التقليدية؛ فلا يبدأ من احتلال الجزائر (1830) ليقص نشأة الإمبراطورية، بل يرجع إلى اللحظة السابقة، حين كان المتوسط جسرًا للتواصل لا حدًا فاصلًا. كما يضع الحملة الفرنسية على مصر (1798) في موضعها الصحيح: ليست معجزة أخرجت الشرق من سكونه إلى حداثة أوروبا، بل عبارة عن جزء من تحولات بدأت في الشرق العثماني قبل نابليون؛ ليقلب السردية الأوروبية ذاتها ويقرر أن الحملة كانت مختبرًا لتجربة في صلب التاريخ الفرنسي نفسه.
مصير المعلم يعقوب
ويتوقف باهر سليمان أمام مشهد مثير على ظهر السفينة الفرنسية المغادرة مصر، حيث “الجنرال يعقوب حنا” القبطي الذي أصبح أول جنرال غير فرنسي في جيش نابليون، يحتضر بين نسائه، وتحيط به فسيفساء عثمانية من تجار وموظفين وكهنة وحرفيين، لا يجمعهم إلا اللسان العربي والخبرة الإسلامية وقرار الرحيل. مات يعقوب وهو يعبر بهم إلى مجهول لا يدرون فيه أيدخلون فرنسا حلفاء أم لاجئين، أجانب أم مواطنين؟ ولم يكن الرحيل مجرد هرب من انتقام سياسي، بل كان أثرا للتغيرات العميقة التي أحدثها الاحتلال نفسه.
وما إن يحل هؤلاء العابرون بمرسيليا حتى يبدأ تحولهم إلى سكان؛ فتتشكل حياة اجتماعية كاملة، من عائلات وتجارة ومراسلات ورعاية. وكانوا خليطا متفاوتًا؛ فيهم الأثرياء وفيهم الفقراء المعوزون، لكنهم بحلول عام 1811 استحالوا من جماعة سياسية طارئة إلى جماعة عربية ثقافية مستقرة.
الحلم الاصطفائي الذي طارده هؤلاء المهاحرون صدمته الدولة النابليونية التي لم تكن تبتغي المعرفة إلا لحاجة الإدارة والسياسة، وساندها مستشرقون محافظون كـ “سيلفستر دي ساسي” ممن أرادوا العربية مادة للدرس لا أداة للحياة. لقد أتاحت الإمبراطورية التنوع ما دام خادمًا لها، مقبولًا بشرط المنفعة؛ وكان “ميكائيل صباغ” مثلًا آخر لهذا القهر، إذ انتهى به المطاف مداحًا للإمبراطور بعد أن ضاقت بنية السلطة عن مشروعه التاريخي. ولما سقط نابليون وعاد البوربون، انقلب العنف السياسي ضد أنصار الإمبراطور إلى عنف عرقي طعن العرب والمصريين في أرواحهم وأموالهم بمذبحة مرسيليا (كور غوفيه)، ودُمّرت مساكنهم وسط تواطؤ السلطة؛ ليكون هذا العنف النقطة التي التقت عندها السياسة بالعرق واللون.
وينتقد باهر سليمان الكتاب معتبرًا أن المسافة بين التاريخ الذي عاشه الناس والتاريخ الذي يعيد المؤرخ بناءه أول موطن نقد جوهري في الكتاب. فكولر شديد الحساسية تجاه خطر القوميات الحديثة، ويصيب حين يحذر من إسقاط مفاهيم الدولة القومية على عالم عثماني سابق على اكتمال الحدود القومية؛ لكنه لا يتحرر تمامًا من المشكلة نفسها. فهو، لكي يواجه الرواية الفرنسية التي تقول إن العرب ظهروا في فرنسا أساسًا مع الهجرة الاستعمارية ثم ما بعد الاستعمار، يقترح رواية مضادة تجعل من عرب القرنين 18 و19 جماعة تاريخية عابرة للحدود. بيد أن العرب في هذا السياق لم يكونوا بالضرورة كتلةً واعية بذاتها.
وهذا يقود إلى مشكلة ثانية تتعلق بمفهوم “الجماعة”. كولر محق في رفض التصور التقليدي للجماعة باعتبارها شيئًا ثابتًا ومستقرًا في مكان واحد، لكنه يذهب في الاتجاه المقابل بعيدًا أحيانًا. فالجماعات المهاجرة ليست بالضرورة جماعات لمجرد وجود شبكات بين أفرادها. قد توجد شبكة تجارية من دون مجتمع متماسك، ومؤسسة دينية من دون هوية سياسية مشتركة، ولغة مشتركة من دون مشروع جماعي. ولذلك فإن الأدلة التي يعرضها الكتاب ـ الزواج، والكنائس، والمدارس، والمعاشات، والهجرة بين مرسيليا وباريس، والمراسلات، والصلات التجارية – تثبت بصورة ممتازة وجود شبكات عربية أو شرقية في فرنسا، لكنها لا تثبت دائمًا بالقدر نفسه وجود “جماعة عربية” متماسكة كما يوحي العنوان.
بل إن أكثر صفحات الكتاب إقناعًا هي تلك التي تهدم، من داخلها، فكرة الجماعة الموحدة. فعندما نتابع جوزيف يعقوب، وجورج عايدة، وإلياس فرعون، و صبّاغ، ورفايل زخور، وبقطر، والطهطاوي، وغيرهم، نجد أن كل واحد منهم يعيش “فرنسا” بطريقة مختلفة. بعضهم يريد الاندماج، وبعضهم يريد الحفاظ على روابطه العربية، وبعضهم يريد استعمال فرنسا للعودة إلى مصر، وبعضهم يبحث عن وظيفة في الدولة، وبعضهم عن مجد أدبي، وبعضهم عن حماية دينية، وبعضهم عن ترقٍّ اجتماعي. هؤلاء الأشخاص لا يتحركون في اتجاه تاريخي واحد. والكتاب يكون في أفضل حالاته حين يتركهم مختلفين، ويضعف حين يحاول أن يجعل اختلافهم دليلًا على مشروع جماعي واحد.
وتظهر المشكلة بصورة أكبر في استخدام مفهوم “الكوزموبوليتانية”. فهذا المفهوم من أكثر المفاهيم جاذبية في الكتاب، لكنه أيضًا من أكثرها التباسًا. فهل كان هؤلاء الأشخاص كوزموبوليتيين فعلًا، أم كانوا مهاجرين مضطرين إلى التكيف مع بيئات متعددة؟ وهل الحركة بين البلدان دليل على انفتاح ثقافي، أم نتيجة للضرورة السياسية والاقتصادية؟ إن الإنسان الذي ينتقل من القاهرة إلى مرسيليا لأن وضعه السياسي انهار، ثم إلى باريس بحثًا عن وظيفة، لا يصبح بالضرورة “كوزموبوليتيًّا” بالمعنى الفكري. وقد يكون الفرد كوزموبوليتيًّا في اللغة والثقافة لكنه شديد المحلية في الدين والعائلة والمصلحة. وهنا كان يمكن للكتاب أن يميز بصورة أوضح بين الحركة والكوزموبوليتانية. فالحركة شرط ممكن للكوزموبوليتانية، لكنها ليست مرادفًا لها. وكذلك تعدد اللغات لا يعني بالضرورة تعدد الولاءات. وبعض الشخصيات التي يعرضها كولر تبدو في الحقيقة كأنها تتحرك بين عوالم متباينة لأنها مضطرة إلى ذلك، لا لأنها تبنت فلسفة واعية للتعدد. وهذا الفرق مهم؛ لأن تحويل الهجرة إلى كوزموبوليتانية قد يضفي على تجارب قاسية من الاقتلاع والنفي والاضطرار قدرًا من الرومانسية لا تحتمله الوقائع.
وتزداد هذه الرومانسية حين يستخدم كولر صورة “الجسر”. العرب في كتابه كثيرًا ما يظهرون بوصفهم وسطاء بين الشرق والغرب، والعربية جسرًا بين الثقافات، وفرنسا فضاءً يمكن أن يجتمع فيه المختلفون، والمهاجرون وسطاء في إنتاج المعرفة. وهذه صورة جذابة، لكنها قد تكرر، من حيث لا يريد المؤلف، إحدى أكثر الصور الاستشراقية رسوخًا: صورة “الشرقي المفيد” الذي تزداد قيمته كلما استطاع أن يترجم الشرق إلى الغرب. فالعربي يصبح مهمًّا لأنه مترجم، أو أستاذ لغة، أو مستشار، أو دليل على الشرق، أو قناة تنتقل عبرها المعرفة إلى أوروبا. وفي هذه الحالة قد يكون الكتاب قد نقل العربي من هامش الاستشراق إلى مركزه، لكنه لم يتحرر بالكامل من منطق الاستشراق نفسه.
وهنا تظهر مفارقة دقيقة في نقد كولر لإدوارد سعيد. فالمؤلف يريد أن يقول إن علاقة الشرق بالغرب لم تكن علاقة أحادية الاتجاه؛ العرب شاركوا في إنتاج المعرفة الأوروبية عن الشرق، ولم يكونوا مجرد موضوعات لها. وهذا صحيح ومهم. لكن النتيجة قد تكون، paradoxically، إعادة تثبيت مكان العربي داخل المنظومة الاستشراقية باعتباره “وسيطًا” أو “مخبرًا” أو “خبيرًا أصليًّا”. كان يمكن للكتاب أن يذهب أبعد في السؤال عن إنتاج المعرفة من داخل المجتمع العربي نفسه: ماذا كان هؤلاء الأشخاص يقولونه عن أنفسهم بعيدًا عن المؤسسات الفرنسية؟ وما الذي كانوا يتصارعون حوله في لغتهم العربية؟ وما هي رؤيتهم لبعضهم بعضًا؟ وهل كان العربي في مرسيليا يرى نفسه بالطريقة التي رآه بها المستشرق في باريس؟
الإسلام في أجزاء من الكتاب يبدو أحيانًا خلفية ثقافية أكثر منه فاعلًا تاريخيًّا مستقلًا. وهذا يثير سؤالًا مهمًا: ما المقصود تحديدًا بـ”الإسلام” في عنوان الكتاب؟ هل هو دين؟ أم حضارة؟ أم فضاء ثقافي؟ أم شبكة سياسية؟ أم تراث لغوي؟ أم مجرد السياق التاريخي الذي تشكلت فيه العربية؟ إن المؤلف يستفيد من مرونة المصطلح، لكنه لا يحسمه دائمًا. وهذا يجعل “الإسلام وصناعة أوروبا الحديثة” عنوانًا أكثر اتساعًا من البرهنة الفعلية في بعض أجزاء الكتاب.
ثم إن الكتاب، على الرغم من اهتمامه بالطبقة، يظل في النهاية كتابًا عن النخب أكثر مما هو كتاب عن المجتمع. الشخصيات التي يملك المؤلف القدرة على تتبعها هي أولئك الذين تركوا أوراقًا: جنرالات، مترجمون، أطباء، أساتذة، شعراء، تجار، رجال دين، موظفون. وهذا مفهوم أرشيفيًّا، لكنه يجعل “فرنسا العربية” تبدو في بعض الصفحات كأنها مشروع نخبة مثقفة متنقلة. أما النساء، والفقراء، والخدم، والعمال، والعبيد السابقون، والأطفال، ومن لم يعرفوا الفرنسية، ومن لم يملكوا القدرة على الوصول إلى المؤسسات، فيبقون في الخلفية.
وهذا النقد مهم لأن الكتاب يريد أن يقدم نفسه بوصفه تاريخًا بديلًا للتاريخ القومي. فإذا كان المقصود فعلًا هو ‘التأريخ من أسفل”، فإن استرداد مجموعة من النخب العربية المنسية لا يكفي وحده. لقد نجح كولر في الانتقال من “الدولة الفرنسية” إلى” الأفراد”، لكنه لم ينتقل دائمًا من النخب إلى القاعدة الاجتماعية. إنه يؤنسن التاريخ الرسمي، لكنه لا يذهب به دائمًا إلى قاع المجتمع.
ولهذا فإن قيمة الكتاب لا تكمن في أن أطروحته يجب قبولها بكل تفاصيلها، وإنما في أنه يفتح منطقة كانت الكتابة التاريخية قد أغلقتها. إنه يذكّرنا بأن الماضي لم يكن مقسمًا بالحدود التي نعرفها اليوم.
والحكم النهائي على الكتاب، لذلك، يجب أن يكون مزدوجًا. فهو من جهة كتاب رائد، لأنه أعاد إلى التاريخ شخصيات وشبكات كانت الرواية القومية قد حجبتها، وربط بين الهجرة والاستشراق والاستعمار واللغة والهوية، وأظهر أن تاريخ أوروبا الحديثة لا يمكن فهمه من داخل أوروبا وحدها. ومن جهة أخرى، فهو كتاب يحتاج إلى مقاومة بعض إغراءاته النظرية: إغراء تحويل الشبكات إلى جماعة، والحركة إلى كوزموبوليتانية، والوسطاء إلى ممثلين، والاستعمار إلى نقطة قطيعة مطلقة، والنسيان إلى فعل متعمد واحد، والأرشيف الفرنسي إلى نافذة كافية على التجربة العربية.
#قراءة_2026
#فرنسا_العربية
إيان كولر، فرنسا العربية: الإسلام وصناعة الحداثة
أوروبا، 1798-1831 (بيركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا،
(2011). عدد الصفحات: 288. سعر الغلاف المقوى 63.00 دولارًا، وسعر الغلاف الورقي 28.95 دولارًا. رقم الكتاب المعياري الدولي 9780520260641.
تمت المراجعة بواسطة جينيفر فريديت، كلية نورث سنترال،
البريد الإلكتروني: jfredette@noctrl.edu
سرد آسر لقصة سكان فرنسيين عرب منسيين إلى حد كبير في أوائل القرن التاسع عشر، تسعى فرنسا العربية لكولر إلى تحقيق ما لا يقل عن ذلك.
بدلاً من تغيير فهمنا لفرنسا وشعبها. إنه يدرس حياة “السفارة المصرية” (أولئك الذين اتبعوا نابليون) (العودة إلى فرنسا من الإسكندرية عام 1801) والعرب الذين سافروا إلى باريس بمفردهم في وقت لاحق في أوائل القرن التاسع عشر. هؤلاء كان الأفراد ينتمون إلى ديانات وبلدان وطبقات اجتماعية مختلفة. وطوروا فهماً مختلفاً لفرنسا ومكانتهم
داخلها. أنشأ البعض جيوبًا عربية متجانسة (خاصة في مارسيليا) بينما عمل آخرون على دخول المجتمع والمؤسسات الفرنسية فرنسي بالكامل (وربما عربي بالكامل أيضًا، اعتمادًا على (فرد). ما الذي يمكن أن تقدمه قصة مهملة لشريحة صغيرة من المغتربين؟
أخبرنا عن فرنسا اليوم؟ في معرض حديثه عن هذا الأمر المنسي يمكن أن يُحسّن فصل من التاريخ الفرنسي فهمنا للمنافسة بالإضافة إلى الالتزامات الأيديولوجية الفرنسية، يتحدى الكتاب القارئ أيضاً إعادة التفكير في مفهوم الهوية: كيف يتم بناؤه وكيف ينبغي دراستها.
يبدأ كولر بوصف “مفارقة” مركزية في اللغة الفرنسية
المجتمع: لماذا “تفتخر أمة طالما افتخرت بـ الالتزام بالحرية والمساواة، ونقدها الفكري الجريء، وقد عجزت نزعتها العالمية، أو لم ترغب، في التفاوض بشأن “حقائق التنوع والاختلاف على أرضها” (vii)؟ على غرار
كتاب ريتشارد فوغارتي عن العرق والحرب في فرنسا،
1- يجادل كولر بأن فرنسا
وينتج عن ذلك التزام غير متسق بالمساواة والعالمية من بين الروايات المتنافسة حول الهوية الفرنسية والأمة، روايات لقد تنافسوا طويلاً فيما بينهم من أجل السيطرة. من خلاله دراسة لهذه الفترة التي امتدت قرابة ثلاثين عاماً (1798-1831)، كولر يتتبع كيفية تغير الأنظمة المختلفة (أو التغيرات داخل نظام واحد، 176 المشرق والمحجر 2، رقم. 1 (2014) مثل تحول نابليون الانتهازي في خطابه حول الدين عندما (سعت إلى إضفاء الشرعية على الكنيسة الكاثوليكية) أنتجت مختلف سياسات بشأن كيفية التعامل مع هذه الفئة السكانية العربية الفرنسية. وبالتالي، نحن قادرون لنرى كيف أن الروح الثورية الكامنة وراء الفكرة العالمية لـ
لقد حلّت خطابات الاستحواذ والإمبراطورية محلّ مصطلح ” الجمهوريات الشقيقة “. لكن الأهم من ذلك، أن كولر يدرك أن حتى مفهوم “الأخت” لم يكن مصطلح “الجمهوريين” مساواتياً تماماً: بينما كانت الإمبراطورية الفرنسية في عهد نابليون، كان يتم الحكم على الأفراد علنًا بناءً على مدى “ملاءمتهم” لفرنسا استنادًا إلى فائدتها للدولة، الروح العالمية السابقة كما تبنى مفهوم “الاختلاف الثقافي” فقط “حيثما كان ذلك مُزيّنًا و لم يعترضوا على الأمر الحاكم” (117). والنتيجة هي فهم دقيق صورة لأمة سعت إلى إعادة تعريف مكانتها بشكل جذري في
العالم في مناسبات متعددة، وفي كل مرة يُعرّف نفسه جزئيًا من خلال تعبيرٌ نخبةٌ عن علاقة الدولة بالاختلاف. الغرباء وبذلك تُشكل في الوقت نفسه تذكيراً بنجاحات الدولة و إخفاقات في مساعيها الأيديولوجية والإمبريالية. وهذا ما يجعلها محفوفة بالمخاطر. موقع الموضوع، كما يوضح الكتاب.
أولئك الذين يدرسون علاقات الدولة والمجتمع وكذلك أولئك سيقدر دارسو الهوية السياسية والقانونية كيف أن الكتاب يرتكز نقاشها حول الهوية على أسس مادية تتعلق بالسلطة والجوانب الاجتماعية التسلسل الهرمي. بالنظر إلى طبيعة البيانات، لا يستطيع كولر تقييم ما إذا كان تم الإدلاء بتصريحات الهوية من قبل أفراد عرب فرنسيين لـ ليس لأسباب استراتيجية بحتة أو بدافع مشاعر صادقة. هذا ليس لكن هذا ليس بالضرورة عيباً، نظراً لأن كولر لا يحاول تحديد الروايات النقية أو الجوهرية للهوية الفرنسية العربية (18). بواسطة انطلاقاً من كون الهوية، على المستوى الفردي، أمراً معقداً، مع تغيرها المستمر، يمكن لكولر الانتقال إلى السؤال الأكثر إثارة للاهتمام وهو ما الذي “تفعله” الهوية في عالم يسوده عدم المساواة في السلطة والتحيز العنصري، و تغيير الروايات الوطنية. يوضح كولر كيف وظّف أفرادٌ عرب فرنسيون مختلفون هوياتٍ محددة فيما يتعلق بـ توقعات جمهورهم فيما يتعلق بالتقدم السياسي أو الاجتماعي الذاتي.
لقد أثرت السياسة والاحتياجات على قرارات العرب والفرنسيين بشأن تقديم أنفسهم بطرق مختلفة (مصرية، عربية، كاثوليكية، مسلمة، حرب) (مثل المحاربين القدامى، إلخ) من أجل الحصول على معاشات تقاعدية ووظائف ودخول إلى فرنسا المجتمع، ودعم المجتمع. كما نرى كيف أن الاختزالية إسناد الهوية من قبل الآخرين، أو رفض الآخرين لذلك
أدى الاعتراف بهوية عربية فرنسية هجينة إلى الرفض الاجتماعي. العنف، بل وحتى القتل. يستحق كولر الثناء على منهجه في البحث الأرشيفي،
وهو ما يصفه بأنه “فعل رؤية مقصود” (2). يكمن ذلك في التجميع مجموعة من المدخلات التي تبدو غير مترابطة والتي تأتي من عدد قليل من سكان الولاية
التفاعلات الرسمية مع هذه الفئة السكانية العربية الفرنسية الصغيرة – في الغالب الطلبات الرسمية لزيادة المعاشات التقاعدية وملفات المراقبة الشرطية – التي يعثر كولر على أدلة على وجود المفوضية المصرية. بالطبع، هذه تميل المصادر بطبيعتها إلى أن تكون مجزئة. من خلال البحث عن الروابط بين هذه المدخلات في الأرشيف الوطني واستكمالها
بالإضافة إلى مصادر أخرى (رسائل شخصية، وكتابات أكاديمية، و في مجال الفن المعاصر، يعيد كولر بناء مفهوم “الجماعية” في المفوضية المصرية. يتعرف القراء على المفوضية المصرية من خلال من أمثلة (على سبيل المثال) الروابط الأسرية، والنزاعات على سلطة الجماعة، ومدارسهم، وحتى خلافاتهم حول مدى مقبولية المشاركة في
“الترفيه الباريسي” (189). وبهذه الطريقة، يثبت كولر أن كان هناك شعور بما قد يسميه علماء السياسة الذين يدرسون العرق ” مصير مشترك ” بين أفراد السفارة المصرية: أفراد عرب فرنسيون (وذريتهم) وجدوا أن مصيرهم وتجاربهم الحياتية وقد تشكلت هذه الصفات من خلال الانتماء إلى ذلك المجتمع الأوسع.2
رؤية التعددية التي تم إدخالها والاحتفاء بها عن قصد من قبل – جماعة عرقية أقلية في دولة مترددة أو حتى إن العداء للاعتراف السياسي بالمجتمعات دون الوطنية هو مثير للجدل إلى حد ما. يوضح كولر ذلك منذ بداية يتضمن كتاب “فرنسا العربية” نقدًا للثقافة الفرنسية المعاصرة
عمى الاختلاف، ويختتم حديثه بالتعبير عن أمله في أن قد يؤدي فحص “الماضي المتعدد” لفرنسا إلى إعادة النظر في مساحة التعددية في السياسة الفرنسية اليوم. رفض اليوم لـينبع التعدد الثقافي والتعددية الثقافية في فرنسا في المقام الأول من تفسير خاص لمصطلح “العلمانية” (يُترجم بشكل فضفاض للغاية إلى:
العلمانية) التي تستاء من تزايد ظهور المسلمين.
بالنظر إلى هذا الوضع والتشابهات التي يقدمها كولر، كان من الممكن أن كان من المثير للاهتمام رؤية مساحة أكبر مخصصة في الكتاب لدور الإسلام من بين قصص حياة أعضاء المفوضية المصرية وتفاعلهم
مع الدولة. في حين أن العديد من الأفراد في هذا المجتمع العربي الفرنسي كان السكان من المسيحيين الأقباط المصريين والملكيين السوريين يؤكد كولر، الكاثوليك، أنه على الرغم من كل تنوعها، فإن المصري المفوضية والعرب الذين قدموا إلى فرنسا لاحقاً خلال تلك الفترة جميع من شملتهم الدراسة كانوا يشتركون في الثقافة الإسلامية . النص لا يتطرق إلى ذلك. استغرق الأمر وقتاً طويلاً لتحديد الثقافة الإسلامية ، أو (على الأقل حتى)
(في نهاية الفترة قيد الدراسة) تحديد اللحظات التي و الطرق التي أثرت بها على حياة هؤلاء الناس. النص نفسه ممتع للقراءة، فهو غامر ومكتوب بأسلوب ثري. ومع ذلك، لن يكون متاحاً لمعظم طلاب المرحلة الجامعية الأولى. سيستمتع علماء الجغرافيا البشرية (وإن كانوا ربما يتمنون لو كان هناك المزيد)
(ولكن ليس هذا هو هدف هذا الكتاب) دراسة الفضاء كـ 178 المشرق والمهجر 2، رقم. 1 (2014) منهج لاستجواب سياسات الجماعات. الفروقات الطبقية بين على سبيل المثال، تم توضيح المفوضيات المصرية في مقارنة من قرية مرسيليا المصرية الميسورة نسبياً والعرب
توجد المجتمعات خارج حدود المدينة. مفهوم المكان هو غالباً ما يتم حشدها لتسليط الضوء على عنصر مادي مشترك بين العرب والفرنسيين
الوجود (كما هو الحال في تحليل النقوش القديمة). إثبات ذلك يُعد التعايش ذا قيمة بالنظر إلى هيمنة الدراسات حول العرب الهجرة إلى فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية. بشكل عام، تمثل فرنسا العربية تحدياً مثيراً للاهتمام بالنسبة للمفهوم الشائع القصة المفهومة عن “حداثة” وجود العرب في فرنسا. أوجه التشابه بينها وبين إن الخطاب السياسي اليوم ليس مثالياً بالنظر إلى أن السكان شملت الدراسة العديد من المسيحيين ولم يعيشوا في ظل نظام طويل الأمد ظل الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية الثانية والأحداث المؤلمة الحرب الجزائرية. ومع ذلك، فإن أوجه التشابه التي يرسمها كولر ووضوحه من المؤكد أن الحجج المؤيدة للتعددية ستثير الكثير من النقاش، مناظرة.

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.
أخبار بلا حدود الاخبار على مدار الساعة