
أخبار بلا حدود- الباحث في علوم الإعلام والاتصال والميديا الرقمية البروفيسور محمد دحماني يؤكد التكوين المتواصل … رهان لتطوير الأداء المهني والرقمي للصحفيين في الجزائر تحيين برامج التكوين ضرورة لمواكبة التحولات التكنولوجية ومتطلبات سوق العمل.
دعا الباحث في علوم الإعلام والميديا الرقمية، البروفيسور محمد دحماني، إلى وضع إستراتيجية وطنية متكاملة لتطوير الأداء المهني والرقمي للصحفيين في الجزائر، من خلال إرساء منظومة فعالة للتكوين المستمر، تستجيب للتحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع الإعلامي، وتواكب التطورات التكنولوجية المتنامية، لا سيما في مجالات الصحافة الرقمية والذكاء الاصطناعي والتحقق من المعلومات.
وأكد البروفيسور محمد دحماني أن التكوين المستمر أصبح ضرورة مهنية وإستراتيجية، في ظل التحولات العميقة التي تعرفها الممارسة الصحفية، حيث لم يعد الصحفي مطالباً بإتقان مهارات الكتابة والتحرير ونقل الأخبار فحسب، بل أصبح ملزماً بتطوير قدراته الرقمية، والتحكم في أدوات تحليل البيانات، والتحقق من المعلومات والمحتويات المتداولة عبر المنصات الرقمية، فضلاً عن فهم آليات عمل الذكاء الاصطناعي وتوظيفه بصورة مسؤولة.
وأوضح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد امتلاك الوسائل التكنولوجية الحديثة، وإنما في القدرة على توظيفها لتحسين جودة العمل الصحفي، دون المساس بمصداقية المعلومة واستقلالية القرار التحريري وأخلاقيات المهنة. فالتكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، تظل أداة مساعدة للصحفي، ولا يمكنها أن تعوض قدرته على التحليل النقدي والتحقق من المصادر وفهم السياقات ومساءلة المسؤولين ونقل انشغالات المواطنين.
وفي هذا السياق، شدد الباحث على أهمية تفعيل مقتضيات القانون العضوي رقم 23-14 المتعلق بالإعلام، المؤرخ في 27 أوت 2023، لا سيما المادة 31 التي تلزم الهيئة المستخدمة بضمان التكوين المتواصل وتحسين المستوى وتجديد المعارف للصحفيين ومهنيي وسائل الإعلام.
معتبراً أن تجسيد هذا الالتزام القانوني على أرض الواقع يتطلب الانتقال من المبادرات التكوينية الظرفية إلى برامج مؤسساتية منتظمة، تستند إلى تشخيص دقيق للاحتياجات المهنية وتواكب المستجدات التكنولوجية.
وأشار دحماني إلى أن تطوير الكفاءات الصحفية يستدعي تنظيم دورات تكوينية تطبيقية في مجالات الصحافة الرقمية، والتحقيق الاستقصائي، وصحافة البيانات، والتحقق من الأخبار والصور ومقاطع الفيديو، والأمن السيبراني، والاستخدام المسؤول لأدوات الذكاء الاصطناعي.
كما ينبغي أن تخضع هذه البرامج للتقييم المستمر، بما يسمح بقياس أثرها في تحسين الأداء التحريري والارتقاء بجودة المحتوى الإعلامي.
وأضاف أن الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار يفرض على المؤسسات الإعلامية إعداد صحفيين قادرين على الاستفادة من إمكانات هذه التقنيات في البحث وتفريغ التسجيلات وتحليل الوثائق ومعالجة البيانات، مع الحفاظ على الرقابة البشرية والتحقق من النتائج قبل النشر.
فمخاطر المعلومات غير الدقيقة والمحتويات المصطنعة والتضليل الرقمي تجعل من الكفاءة المهنية والوعي النقدي عنصرين أساسيين في حماية مصداقية الإعلام وتعزيز ثقة الجمهور.
كما أبرز أهمية تعزيز الشراكة بين المؤسسات الإعلامية والجامعات ومخابر البحث العلمي، من خلال إعداد برامج تكوين مشتركة، وتنظيم ورشات تطبيقية، وتبادل الخبرات بين الباحثين والأكاديميين والصحفيين المحترفين.
ومن شأن هذا التعاون أن يربط المعرفة العلمية بالاحتياجات الفعلية لغرف الأخبار، ويسهم في تطوير حلول عملية لمختلف التحديات المهنية والرقمية التي تواجه القطاع.
وويرى البروفيسور محمد دحماني أن نجاح استراتيجية التكوين المستمر لا يرتبط بالمحتوى التدريبي وحده، بل يتطلب أيضاً توفير بيئة مهنية واجتماعية مستقرة، وتشجيع المؤسسات الإعلامية على الاستثمار في مواردها البشرية والتكنولوجية، بما يمنح الصحفيين فرصاً حقيقية لتطوير مهاراتهم وتجديد معارفهم بصورة منتظمة.
وفي المقابل، أكد دحماني ضرورة عدم اختزال التكوين في الجانب التقني، على حساب القيم المهنية والأخلاقية، مشيراً إلى أن الصحفي يحتاج إلى تعزيز قدراته في التحليل والتحقق والتفكير النقدي، بقدر حاجته إلى التحكم في الأدوات الرقمية الحديثة، خصوصاً في ظل الانتشار المتسارع للأخبار المضللة والمحتويات المولدة بالذكاء الاصطناعي.
ويؤكد البروفيسور محمد دحماني إلى أن بناء صحافة جزائرية قادرة على مواكبة التحولات المستقبلية يمر عبر الاستثمار في العنصر البشري، وترسيخ ثقافة التكوين المستمر، وتعزيز التكامل بين الخبرة المهنية والمعرفة الأكاديمية والابتكار التكنولوجي.
مؤكداً أن الرهان لا يتمثل في إعداد صحفي يجيد استخدام التكنولوجيا فحسب، بل في تأهيل صحفي يجمع بين الكفاءة الرقمية والخبرة الميدانية والحس النقدي والالتزام بأخلاقيات المهنة، بما يضمن إنتاج محتوى موثوق، ويحافظ على استقلالية الصحافة، ويعزز حق المواطن في الوصول إلى المعلومة الدقيقة والمسؤولة.
مؤكدا على ضرورة تحيين برامج التكوين الجامعي في علوم الإعلام والاتصال ضرورة لمواكبة التحولات التكنولوجية ومتطلبات سوق العمل وذلك بحكم أن علوم الإعلام و الاتصال من التخصصات التي تفرض ،بطبيعتها،ضرورة المراجعة الدورية لبرامج التكوين و التحيين المستمر لمحتوياتها بفعل التطورات التكنولوجية المتسارعة و العميقة في مجال الاتصال التي يرافقها تحول فكري يستوجب إعادة النظر في بعض المقاييس و محتوياتها.
للتذكير الدكتور محمد دحماني أكاديمي وباحث وصحفي جزائري، خريج جامعة قسنطينة، تخصص علم اجتماع الاتصال، وأستاذ بجامعة المسيلة، يبحث في مجال علوم الإعلام والاتصال والميديا الرقمية. تولّى إدارة مخبر البحوث والدراسات في الميديا الجديدة، ويشغل منصب مدير نشر المجلة العلمية «بحوث ودراسات إعلامية».
كما يمتلك خبرة صحفية تفوق 30 سنة، ويشغل منصب مدير تحرير الجريدة الإلكترونية «جزائريون»، منسق الشبكة الجزائرية للدراسات الاعلامية بالمنظمة الوطنية للصحفيين الجزائريين.
أخبار بلا حدود الاخبار على مدار الساعة