أخبار بلا حدود- ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها في المشهد الأمني بمنطقة الساحل الإفريقي: كلما اتسعت الحاجة إلى التعاون لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، ازدادت صعوبة بناء الثقة السياسية بين بعض دول المنطقة. وفي المسافة الفاصلة بين هذين الأمرين تتسع الفجوات التي تتحرك فيها الجماعات المسلحة، وتتعثر المبادرات الرامية إلى إرساء الاستقرار.

بالنسبة إلى الجزائر، ليست هذه المفارقة مسألة بعيدة عن حساباتها الاستراتيجية. فالساحل امتداد جغرافي وأمني لعمقها الإفريقي، وما يحدث فيه لا يمكن عزله عن أمن الحدود الجزائرية ومصالحها الإقليمية. غير أن القرب الجغرافي وحده لا يمنح أي دولة القدرة على التحكم في مسار أزمة معقدة، كما أن امتلاك الخبرة الأمنية لا يعني بالضرورة امتلاك مفاتيح الحل السياسي.

من هنا تبدأ المسألة التي تستحق النقاش: هل تستطيع الجزائر تحويل مقاربتها القائمة على الأمن والتنمية والدبلوماسية إلى قوة مؤثرة في استقرار الساحل، أم أن التحولات التي تشهدها المنطقة باتت تفرض مراجعة أدوات العمل وحدود التأثير؟

حين لا يكون الإرهاب سوى الجزء الظاهر من الأزمة

من السهل اختزال ما يجري في الساحل في نشاط الجماعات الإرهابية، لأن الهجمات المسلحة هي الوجه الأكثر وضوحًا للأزمة. لكن الاقتصار على هذا المشهد يحجب عوامل أخرى لا تقل تأثيرًا: ضعف مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، والنزاعات المحلية، والتنافس على الموارد، وشبكات التهريب، وصعوبة وصول الخدمات العامة إلى السكان.

وقد أشار تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي The Future of Governance in the Sahel، الصادر في يوليو 2025، إلى مركزية اختلالات الحوكمة في استمرار الأزمات التي تشهدها المنطقة. وهذه نقطة مهمة؛ لأن الجماعات المتطرفة لا تحتاج دائمًا إلى السيطرة على المدن كي توسع نفوذها، بل قد يكفيها استغلال الفراغات التي تعجز المؤسسات عن ملئها.

ولا يعني ذلك أن الفقر وحده يصنع الإرهاب، أو أن تحسين الظروف الاقتصادية سيؤدي تلقائيًا إلى اختفائه. فالعنف في الساحل نتاج عوامل متداخلة، بعضها سياسي وأمني، وبعضها اجتماعي واقتصادي. لكن تجاهل هذه العوامل يجعل المواجهة معرضة لتكرار نتائجها: إضعاف مجموعة مسلحة في منطقة، ثم ظهور تهديد آخر في منطقة مجاورة، أو عودة النشاط المسلح إلى مناطق لم تستعد فيها الدولة حضورها الفعلي.

المشكلة، إذن، ليست في ضرورة العمل العسكري؛ فهو ضرورة لا يمكن تجاهلها، وإنما في الاعتقاد بأنه يستطيع بمفرده إنتاج سلام دائم.

المقاربة الجزائرية أمام اختبار الواقع

اختارت الجزائر، في خطابها الرسمي بشأن الساحل، التشديد على الترابط بين الحلول الأمنية والتنمية والحوار السياسي، إلى جانب احترام سيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها الداخلية. وقد عكست الندوة الوطنية التي نظمتها وزارة الدفاع الوطني في مايو 2025 حول التحديات الأمنية والتنموية في الساحل أهمية هذه الأبعاد في التصور الجزائري.

وتستند هذه المقاربة إلى منطق مفهوم: لا يمكن حماية الحدود بصورة مستدامة إذا ظل محيطها مضطربًا، ولا يمكن بناء تعاون أمني فعال في غياب حد أدنى من الثقة السياسية، كما أن أي تسوية لا تراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية قد تبقى هشة مهما كانت صياغتها السياسية محكمة.

لكن قوة الفكرة لا تعفيها من اختبار التنفيذ.

فالتنمية تحتاج إلى مشاريع قابلة للاستمرار، لا إلى إعلانات عن النوايا. والدبلوماسية تحتاج إلى قنوات اتصال تبقى مفتوحة عندما تتوتر العلاقات، لا إلى لقاءات بروتوكولية فحسب. أما التعاون الأمني، فيحتاج إلى تبادل فعلي للمعلومات وتنسيق يحترم القانون والسيادة الوطنية.

وهنا تظهر المعضلة الحقيقية: كيف تحافظ الجزائر على مبادئها في الحوار واحترام سيادة الدول، وفي الوقت نفسه تتعامل مع بيئة إقليمية تتغير فيها التحالفات والحسابات السياسية بسرعة؟ وكيف تحول خبرتها وموقعها الجغرافي إلى تعاون عملي، من دون أن يُنظر إلى دورها باعتباره محاولة لفرض خيارات على الآخرين؟

هذه ليست أسئلة تشكك في المقاربة الجزائرية، بل هي الأسئلة التي ينبغي طرحها إذا كان الهدف هو تطويرها وقياس فاعليتها.

مالي: ما الذي تقوله تجربة الوساطة؟

يصعب تناول الدور الجزائري في الساحل من دون التوقف عند مالي، حيث أفضى مسار الجزائر إلى اتفاق السلم والمصالحة سنة 2015. فقد مثّلت الوساطة آنذاك محاولة لمعالجة النزاع من خلال تسوية سياسية، بدل تركه رهينة المواجهة العسكرية وحدها.

غير أن انتهاء العمل بالاتفاق سنة 2024 كشف حدود ما تستطيع الاتفاقات تحقيقه عندما تتعثر شروط التنفيذ أو تتغير البيئة السياسية التي نشأت فيها. فالوثيقة السياسية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع بمفردها إنتاج الثقة أو ضمان التزام جميع الأطراف أو معالجة التوترات المتراكمة.

والدرس هنا لا يقتصر على مالي، بل يتصل بطبيعة الوساطة في النزاعات المعقدة عمومًا. فالوسيط قد ينجح في جمع الأطراف حول طاولة واحدة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل إرادتها السياسية، ولا أن يضمن وحده تنفيذ ما اتفقت عليه. لذلك، ينبغي ألا يُقاس نجاح الدبلوماسية بتوقيع الاتفاق فقط، بل بقدرتها على إنشاء آليات متابعة، وتثبيت التفاهمات، وإبقاء الحوار ممكنًا حتى في أصعب المراحل.

وفي عام 2026، برزت مؤشرات على تحرك جديد في العلاقات الجزائرية المالية؛ إذ زار رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا الجزائر في أغسطس، ثم زار الوزير الأول الجزائري سيفي غريب باماكو في 14 سبتمبر، حيث تناولت المحادثات تعزيز التعاون الثنائي ودعم الاستقرار الإقليمي.

تكتسب هذه الاتصالات أهميتها من كونها تتيح استمرار التواصل بين بلدين تجمعهما حدود ومصالح مشتركة، مهما كانت الخلافات القائمة. لكنها تظل بداية محتملة لمسار عملي، وليست دليلًا كافيًا على أن الملفات العالقة قد سُوّيت.

وإذا كانت هذه الاتصالات ستكتسب قيمة استراتيجية فعلية، فإن ذلك سيظهر في نتائجها: هل ستدعم التنسيق الأمني؟ هل ستعيد تفعيل آليات التعاون؟ وهل ستفتح المجال أمام مشاريع اقتصادية تخدم المناطق الحدودية والسكان المحليين؟

في السياسة الإقليمية، قد يكون استئناف الحوار إنجازًا مهمًا، لكن قيمته النهائية تتحدد بما ينتج عنه.

التنمية: السؤال ليس كم مشروعًا أُعلن، بل ماذا تغيّر؟

غالبًا ما يُستحضر البعد التنموي عند الحديث عن الساحل، لكن هذا البعد يفقد معناه إذا بقي في مستوى الشعارات العامة. فالسكان الذين يعيشون في مناطق تعاني ضعف الخدمات لا يقيسون نجاح السياسات بعدد الاتفاقات أو المؤتمرات، بل بقدرتهم على الوصول إلى المدرسة والمركز الصحي، والحصول على عمل، وممارسة نشاط اقتصادي آمن.

ومن هنا، يمكن للتعاون الجزائري مع دول المنطقة أن يكتسب أهمية تتجاوز المبادلات التجارية التقليدية، من خلال تطوير الربط الحدودي، وتشجيع النشاط الاقتصادي المشروع، والتكوين، ودعم المشاريع التي تستجيب لاحتياجات المجتمعات المحلية.

غير أن إنشاء مشروع لا يعني بالضرورة تحقيق أثر تنموي. فقد يتعثر التنفيذ، أو تتراجع الخدمات بعد انتهاء التمويل، أو لا تصل المنافع إلى الفئات التي تحتاج إليها. ولهذا، فإن نجاح التنمية يتطلب تحديد الأولويات بمشاركة السكان، وضمان استمرارية المشاريع، ووجود مؤسسات قادرة على إدارتها ومتابعتها.

والأهم أن التنمية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة أمنية ضيقة، تُقدَّم فقط بهدف منع التجنيد في الجماعات المسلحة. فللسكان احتياجات وحقوق ومصالح تتجاوز الحسابات الأمنية، واحترامها هو في حد ذاته أساس لبناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

إن المنطقة لا تحتاج إلى الاختيار بين الأمن والتنمية، بل إلى سياسات تدرك أن كليهما يعزز الآخر عندما يُنفذ بصورة سليمة.

التعاون الإقليمي: الضرورة التي تصطدم بالسياسة

لا تعترف الجماعات المسلحة وشبكات التهريب بالحدود بالطريقة التي تتعامل بها معها الدول. وقد تستغل اختلاف القدرات الأمنية، وضعف تبادل المعلومات، وصعوبة التنسيق بين المؤسسات الوطنية. ولهذا، فإن مواجهة التهديدات العابرة للحدود تتطلب تعاونًا يتجاوز الجهود المنفردة.

لكن التعاون لا يُبنى بمجرد الاتفاق على وجود خطر مشترك. فهو يحتاج إلى الثقة، واستمرارية الاتصال، وتحديد المصالح المتبادلة، وتجنب تحويل الخلافات السياسية إلى قطيعة تعطل الملفات الأمنية.

وهنا تبرز أهمية الدور الدبلوماسي الجزائري: ليس فقط في الدعوة إلى الحوار، بل في المحافظة على إمكاناته عندما تصبح العلاقات أكثر تعقيدًا. فالقنوات السياسية المفتوحة تساعد على تقليل سوء التقدير، وتمنح الأطراف فرصة لمعالجة الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن افتراض أن الجزائر وحدها قادرة على جمع جميع الأطراف أو تجاوز تناقضات المنطقة. فالاستقرار المستدام يحتاج إلى إرادة الدول المعنية، وإلى أدوار إفريقية جماعية، وإلى تعاون يحترم خصوصية كل دولة بدل التعامل مع الساحل باعتباره كتلة سياسية متجانسة.

ومن شأن هذا الفهم أن يجعل المقاربة الجزائرية أكثر واقعية: دور مؤثر يمكن تطويره، لا قدرة مطلقة على التحكم في نتائج أزمة إقليمية.

كيف ننتقل من الخطاب إلى الحكم على النتائج؟

إذا أردنا تقييم المقاربة الجزائرية بموضوعية، فعلينا تجاوز سؤال ما إذا كانت مبادئها وجيهة، إلى سؤال أكثر دقة: ما الذي تحقق على الأرض؟

يمكن البدء بمؤشرات واضحة: استمرار التعاون الأمني بين دول المنطقة، وتراجع الهجمات المسلحة والخسائر في صفوف المدنيين، وتحسن حضور المؤسسات والخدمات في المناطق المتضررة، واتساع فرص النشاط الاقتصادي المشروع، وقدرة التسويات السياسية على الصمود أمام الخلافات.

ولا يكفي تحقق مؤشر واحد لإعلان النجاح. فقد تتراجع الهجمات لفترة من دون أن تتحسن الظروف التي تغذي النزاع، وقد تُطلق مشاريع تنموية لا تصل منافعها إلى السكان، وقد تستأنف العلاقات الدبلوماسية من دون أن تنتج تعاونًا عمليًا. لذلك، ينبغي النظر إلى النتائج مجتمعة، وعلى مدى زمني يسمح بالتمييز بين التحسن المؤقت والاستقرار الحقيقي.

كما أن التقييم الصريح ليس انتقاصًا من أي جهد وطني. على العكس، فهو ما يسمح بتحديد ما نجح، وما تعثر، وما يحتاج إلى تعديل. فالاستراتيجية التي لا تقبل قياس نتائجها تظل معرضة لأن تتحول إلى خطاب يكرر نفسه مهما تغير الواقع.

الرهان الجزائري: التأثير في مسار الأزمة لا ادعاء امتلاك حلها

تملك الجزائر عناصر مهمة للإسهام في استقرار الساحل: موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وخبرة في مكافحة الإرهاب، وتجربة في الوساطة، ومصلحة مباشرة في منع توسع الاضطرابات في محيطها. كما أن الجمع بين الأمن والتنمية والدبلوماسية يمنح مقاربتها أساسًا أوسع من الاقتصار على القوة العسكرية.

لكن هذه العناصر لا تجعل النجاح مضمونًا، ولا تلغي مسؤولية دول المنطقة عن خياراتها. فالأزمة لن تُحل من خلال المبادرات الجزائرية وحدها، كما لن تُحل بمجرد تغيير الشراكات الخارجية أو تكثيف العمليات الأمنية. المطلوب هو بناء تعاون إقليمي يستطيع التعامل مع الخلافات السياسية من دون أن يسمح لها بتعطيل المصالح المشتركة.

من هذا المنطلق، لا يكمن التحدي في تقديم المقاربة الجزائرية باعتبارها وصفة جاهزة لكل أزمات الساحل، بل في تحويلها إلى مسار قابل للتطوير والقياس، يستند إلى الحوار المستمر، والتعاون الأمني المسؤول، والتنمية التي يلمس السكان نتائجها.

فالمعركة ضد الإرهاب لا تُحسم عندما تفقد جماعة مسلحة موقعًا أو تتراجع قدرتها على تنفيذ هجوم؛ إنها تتقدم نحو الحسم عندما تضيق المساحات التي تسمح لها بالتوسع، وتستعيد المؤسسات قدرتها على حماية الناس، ويجد السكان أسبابًا واقعية للثقة في مستقبلهم.

ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي استراتيجية في الساحل: ليس فقط قدرتها على احتواء الخطر اليوم، بل قدرتها على منع عودته غدًا.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام دول المنطقة: هل تستطيع تحويل المصالح المشتركة إلى تعاون مستمر، والاتصالات الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة، والجهود الأمنية إلى استقرار يلمسه المواطن؟ الإجابة عن هذا السؤال، لا كثرة التصريحات بشأنه، هي التي ستحدد ما إذا كانت ثلاثية الأمن والتنمية والدبلوماسية قادرة على تغيير مستقبل الساحل.

المصادر والمراجع

  1. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، The Future of Governance in the Sahel، 24 يوليو 2025.
  2. وزارة الدفاع الوطني الجزائرية، الندوة الوطنية حول التحديات الأمنية والتنموية في منطقة الساحل، مايو 2025.
  3. مصالح الوزير الأول الجزائري، البيانات الرسمية المتعلقة بزيارة الوزير الأول إلى مالي، 14 سبتمبر 2026.
  4. الحكومة المالية، البيان المتعلق بزيارة الوزير الأول الجزائري إلى باماكو، سبتمبر 2026.
  5. اتفاق السلم والمصالحة في مالي المنبثق عن مسار الجزائر، 2015، والتطورات المتعلقة بانتهاء العمل به سنة 2024.

القضاء الجزائري بين ترسيخ العدالة ومسار الإصلاح.. إشكاليات الواقع وآفاق التطوير – ربيع بوسماعت

الكاتب الجزائري: ربيع بوسماعت.

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.