من وعود الحملات إلى حساب النتائج: هل يملك الناخب الجزائري ما يكفي ليختار؟ – ربيع بوسماعت

ربيع بوسماعت
 
  • من وعود الحملات إلى حساب النتائج: هل يملك الناخب الجزائري ما يكفي ليختار؟
  • قراءة في معادلة التنافس الانتخابي والثقة والمساءلة قبل الانتخابات المحلية الجزائرية لسنة 2026
  • بقلم: ربيع بوسماعت

أخبار بلا حدود- مع اقتراب الانتخابات المحلية المقررة يوم 28 نوفمبر 2026، يعود النقاش حول المجالس الشعبية البلدية والولائية إلى الواجهة. غير أن السؤال الذي يستحق التوقف عنده لا يتعلق فقط بمن سيفوز بالمقاعد، أو بعدد القوائم التي ستدخل المنافسة، بل بما إذا كان الناخب سيجد أمامه خيارات حقيقية تسمح له بالمفاضلة على أساس البرامج والكفاءة، لا على أساس الوعود والشعارات وحدها.

فالانتخابات المحلية ليست استحقاقاً بعيداً عن انشغالات المواطن اليومية. نتائجها ترتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بطريقة تسيير الشأن المحلي، وبمدى الاهتمام بالطرقات والإنارة والنظافة والتهيئة الحضرية، وبقية الملفات التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية للسكان.

ومن هنا، فإن قيمة هذا الموعد الانتخابي لا ينبغي أن تختزل في عملية التصويت نفسها؛ فالصندوق يحدد ممثلي المواطنين، لكنه لا يضمن وحده تحسن التسيير أو تنفيذ البرامج. ذلك أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج، عندما تصبح الوعود التزامات يفترض أن تخضع للمتابعة والتقييم.

أرقام المشاركة: ما الذي تخبرنا به انتخابات 2021؟

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية التي جرت يوم 27 نوفمبر 2021 نحو 36.58 بالمائة في انتخابات المجالس الشعبية البلدية، و34.76 بالمائة في انتخابات المجالس الشعبية الولائية، وفق النتائج التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.

لا تكفي هذه النسب وحدها لتفسير مواقف المواطنين الذين لم يشاركوا في الاقتراع، ولا يجوز اعتبار جميع الممتنعين أصحاب موقف واحد. لكن من الصعب أيضاً تجاهل دلالتها عند التفكير في الاستحقاق المقبل.

فالمشاركة لا ترتبط فقط بمدى اهتمام المواطن بالسياسة، بل تتأثر كذلك بتقييمه لأداء المجالس السابقة، وبمدى اقتناعه بأن صوته قادر على إحداث فرق، وبثقته في المترشحين والبرامج المعروضة عليه.

وهنا تظهر مسألة أساسية: لا يمكن مطالبة المواطن بالمشاركة بصورة متواصلة، في حين لا يجد دائماً ما يكفي من المعلومات لمقارنة الخيارات أو لمتابعة ما تحقق من الوعود السابقة.

لذلك، فإن رفع المشاركة لا يبدأ بالدعوة إلى التوجه نحو مكاتب التصويت فقط، وإنما يبدأ أيضاً بإقناع الناخب بأن اختياره له معنى، وأن صوته لن ينتهي أثره بمجرد إعلان النتائج.

ارتفاع عدد المترشحين وتراجع القوائم: مفارقة تستحق القراءة

تقدم أرقام الانتخابات المحلية لسنة 2026 مادة مهمة لفهم طبيعة التنافس الانتخابي، خصوصاً عند مقارنتها بأرقام استحقاق 2021.

ففي انتخابات المجالس الشعبية البلدية، بلغ عدد القوائم المودعة سنة 2026 نحو 5631 قائمة، مقابل 5848 قائمة سنة 2021. وفي المقابل، ارتفع عدد المترشحين من 115230 إلى 141388 مترشحاً، كما ارتفع عدد المقاعد من 24891 إلى 26575 مقعداً.

أما في انتخابات المجالس الشعبية الولائية، فقد ارتفع عدد القوائم من 430 إلى 434 قائمة، وعدد المترشحين من 18910 إلى 21476 مترشحاً، بينما ارتفع عدد المقاعد من 2350 إلى 2855 مقعداً.

المستوى 2021 2026 التغير
قوائم المجالس البلدية 5,848 5,631 -3.7%
مترشحو المجالس البلدية 115,230 141,388 +22.70%
قوائم المجالس الولائية 430 434 +0.93%
مترشحو المجالس الولائية 18,910 21,476 +13.56%

 

وتكشف المقارنة عن مفارقة لا ينبغي المرور عليها سريعاً: عدد المترشحين للبلديات ارتفع بنحو 22.7 بالمائة، بينما تراجع عدد القوائم البلدية بنحو 3.7 بالمائة مقارنة بعام 2021.

هذا يعني أن زيادة عدد الأشخاص الراغبين في الترشح لم تقابلها زيادة مماثلة في عدد القوائم المتنافسة. وهي ملاحظة رقمية مهمة، لكنها لا تسمح وحدها بالحكم على أسباب هذا التغير أو على مستوى التعددية السياسية؛ فذلك يحتاج إلى تحليل أوسع لطبيعة القوائم وتوزيعها الجغرافي وتركيبتها.

ومع ذلك، تطرح هذه الأرقام سؤالاً مشروعاً: هل يجد الناخب خيارات سياسية وبرامجية متنوعة بالقدر الذي يعكس تعدد احتياجات البلديات؟ أم أن كثرة الأسماء داخل القوائم لا تعني بالضرورة وجود بدائل مختلفة في الرؤية والأولويات؟

إن جودة التنافس لا تقاس بعدد المترشحين وحده. فقد تكون القائمة طويلة، لكن برنامجها عاماً ومتشابهاً مع برامج غيرها. وقد يكون عدد القوائم محدوداً، لكن بينها اختلاف واضح في الأولويات والحلول والكفاءات. لذلك ينبغي أن يتجه النقاش من مجرد إحصاء المترشحين إلى فحص مضمون البرامج ومدى اختلافها وقابليتها للتنفيذ.

البرنامج الانتخابي ليس قائمة أمنيات

من أكثر ما يضعف الخطاب الانتخابي المحلي تقديم وعود واسعة من دون توضيح الجهة التي تملك صلاحية تنفيذها، أو الموارد التي تحتاج إليها، أو المدة التي يتطلبها تحقيقها.

فالبلدية، وفق القانون رقم 11-10 المتعلق بالبلدية، تمثل إطاراً مؤسساتياً لتسيير الشأن المحلي وممارسة الديمقراطية الجوارية. ويمنح القانون المجلس الشعبي البلدي صلاحيات واختصاصات في مجالات متعددة، كما يؤكد أهمية إعلام المواطنين واستشارتهم وتشجيع مشاركتهم في معالجة انشغالاتهم المحلية.

أما المجلس الشعبي الولائي، فيعمل ضمن الصلاحيات المحددة بموجب القانون رقم 12-07 المتعلق بالولاية، ويتناول مجالات من بينها التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتهيئة، والنقل، والصحة، والتربية والتكوين، وحماية البيئة، وغيرها من الملفات ذات البعد الولائي.

وهذا التمييز ليس مسألة قانونية شكلية؛ بل هو معيار أساسي للحكم على جدية البرنامج الانتخابي.

فعندما يعد مترشح بإصلاح طريق أو تحسين الإنارة أو معالجة مشكلة النظافة، ينبغي أن يوضح كيف يمكن للمجلس المعني التدخل، وما الذي يتطلب تنسيقاً مع قطاعات أو هيئات أخرى، وما الإمكانات المتاحة لتنفيذ التعهد.

أما إطلاق وعود تتجاوز صلاحيات المجلس أو موارده، فقد يمنح الحملة زخماً مؤقتاً، لكنه يضعف الثقة عندما يصطدم المواطن لاحقاً بواقع مختلف.

البرنامج الجاد، في تقديري، ليس البرنامج الذي يتضمن أكبر عدد من الوعود، بل الذي يحدد عدداً من الأولويات الواضحة، ويربطها باختصاصات المجلس، ويقدم تصوراً واقعياً لمراحل تنفيذها.

الناخب يحتاج إلى معلومات، لا إلى شعارات إضافية

لا يمكن مطالبة المواطن باختيار الأفضل إذا لم تتوفر له فرصة كافية للتعرف على البرامج والمترشحين. فالمفاضلة الانتخابية تحتاج إلى معلومات واضحة، وإلى خطاب يسمح بالمقارنة، لا إلى تكرار العبارات العامة.

ومن حق الناخب أن يسأل كل قائمة عن أولوياتها، وعن طريقة تمويل المشاريع التي تقترحها، وعن المدة التي تتوقعها لتنفيذها، وعن كيفية التعامل مع الملفات التي تتجاوز صلاحيات المجلس المحلي.

كما ينبغي ألا يكون الاختيار محكوماً بالانطباع الشخصي وحده، أو بالعلاقات الاجتماعية، أو بالوعود التي يصعب قياسها. فالمترشح الذي يقدم برنامجاً محدداً وقابلاً للنقاش يمنح المواطن فرصة أفضل لتقييمه ومساءلته مستقبلاً.

ولا يعني ذلك أن الناخب مطالب بأن يكون خبيراً في القانون أو التسيير المحلي؛ لكنه يحتاج إلى قدر من الوعي يسمح له بالتمييز بين ما يدخل ضمن اختصاص المجلس وما يقع خارج صلاحياته، وبين التعهد القابل للتنفيذ والشعار الذي لا يقدم إجابة عن كيفية الإنجاز.

الحملة الانتخابية: امتحان لمصداقية الخطاب

تنطلق الحملة الانتخابية الخاصة بمحليات 28 نوفمبر يوم 5 نوفمبر 2026، وتستمر إلى غاية 24 نوفمبر، وفق ما أعلنته السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.

وتشكل هذه الفترة فرصة أمام القوائم والمترشحين لعرض برامجهم والتواصل مع المواطنين. غير أن قيمة الحملة لا تقاس بكثافة التجمعات أو حجم الشعارات، وإنما بقدرة المترشحين على تقديم إجابات واضحة عن المشكلات التي تواجه السكان.

ومن المفيد أن تتحول اللقاءات الانتخابية إلى فضاءات للنقاش حول الأولويات المحلية، بدلاً من الاكتفاء بعرض الوعود أو تبادل الانتقادات. فالمواطن يريد أن يعرف ما الذي سيتغير في محيطه، وما الوسائل التي ستعتمد لتحقيق ذلك، وكيف يمكن متابعة التنفيذ.

كما أن احترام القواعد القانونية المنظمة للحملة، والابتعاد عن التشهير والإساءة وخطاب الكراهية، مسؤولية تقع على جميع المتنافسين. فالمنافسة السياسية لا تفقد قيمتها عندما تختلف القوائم، بل تفقدها عندما يتحول الاختلاف إلى إساءة أو تضليل.

والأهم أن التواصل مع المواطن لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بفترة الحملة وحدها؛ فالحضور الانتخابي المؤقت لا يعوض غياب التواصل طوال العهدة.

بعد إعلان النتائج: من يراقب الوعود؟

تبدأ مسؤولية المنتخب الفعلية بعد انتهاء المنافسة. عندها يصبح السؤال مختلفاً: ماذا تحقق من البرنامج؟ وما الذي تعذر؟ ولماذا؟ وما الأولويات التي جرى اعتمادها؟

إن قانون البلدية رقم 11-10 لا يقتصر على تحديد صلاحيات المجلس، بل يتضمن أحكاماً تعزز علاقة المواطن بالمؤسسة المحلية. فالمادتان 11 و12 تتناولان إعلام المواطنين واستشارتهم وتشجيع المبادرات التي تسمح لهم بالمشاركة في معالجة مشكلاتهم، بينما تتيح المادة 14 الاطلاع على مستخرجات مداولات المجلس الشعبي البلدي وقراراته والحصول على نسخ منها وفق الشروط القانونية.

وتشكل هذه الأحكام أساساً مهماً لممارسة الرقابة المجتمعية في إطار القانون. فالمواطن الذي يستطيع الاطلاع على القرارات ومتابعة المداولات يكون أكثر قدرة على فهم طريقة التسيير وتقييم أداء ممثليه.

لكن المساءلة لا تعني تحميل المجلس المنتخب مسؤولية كل تأخر أو تعثر؛ فبعض المشاريع يرتبط بقرارات أو اعتمادات أو إجراءات تتدخل فيها جهات أخرى. المطلوب هو توضيح المسؤوليات، وشرح أسباب التأخر، وإعلام المواطنين بما تحقق وما لم يتحقق.

ومن هنا يمكن أن تصبح الحصيلة الدورية للمجلس وسيلة عملية لبناء الثقة، إذا تضمنت معلومات واضحة عن المشاريع والقرارات ونسب الإنجاز والصعوبات التي واجهت التنفيذ.

المشاركة لا تنتهي عند صندوق الاقتراع

من الأخطاء اختزال الديمقراطية المحلية في يوم التصويت. فالانتخابات تمنح المواطنين فرصة اختيار ممثليهم، لكنها لا تعني انتهاء دورهم بعد إعلان النتائج.

إن المشاركة الحقيقية تقتضي متابعة أداء المجالس، والاستفادة من آليات الإعلام والاستشارة المتاحة قانوناً، وطرح الانشغالات بصورة منظمة، والمطالبة بتوضيح القرارات التي تمس الحياة المحلية.

وفي المقابل، يحتاج المنتخبون إلى التعامل مع المواطن باعتباره شريكاً في فهم المشكلات وترتيب الأولويات، لا مجرد صوت انتخابي يعودون إليه عند اقتراب موعد الاستحقاق التالي.

وهذا التحول لن يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى ممارسة منتظمة للشفافية، وإلى تواصل واضح، وإلى استعداد من المجالس المنتخبة للاستماع إلى النقد ومناقشة الحصيلة.

خاتمة: الاختيار بداية المسؤولية وليس نهايتها

تضع انتخابات 2026 الناخب الجزائري أمام فرصة لاختيار ممثليه على أساس الكفاءة والبرامج والقدرة على خدمة الصالح العام. لكنها تضع المترشحين أيضاً أمام مسؤولية تقديم تعهدات واقعية، يمكن قياسها ومتابعتها بعد الوصول إلى المجالس.

وتكشف المقارنة بين أرقام 2021 و2026 أن زيادة عدد المترشحين لا تعني بالضرورة اتساع عدد الخيارات الانتخابية، مثلما أن تنظيم الاقتراع وإعلان النتائج لا يكفيان وحدهما لبناء الثقة.

فالرهان الحقيقي يتجاوز يوم التصويت: هل ستتحول البرامج إلى أولويات واضحة؟ وهل ستصبح القرارات المحلية أكثر شفافية؟ وهل يجد المواطن بعد الانتخابات قنوات فعلية لمتابعة ممثليه ومساءلتهم؟

إن الناخب لا يحتاج إلى وعود أكثر بقدر ما يحتاج إلى بدائل واضحة ومعلومات موثوقة، والمنتخب لا يحتاج إلى خطاب انتخابي متكرر بقدر ما يحتاج إلى حصيلة يستطيع الدفاع عنها أمام المواطنين.

في النهاية، لا تقاس قيمة الانتخابات بعدد الأصوات التي تُحصى يوم الاقتراع فقط، بل بما تتركه من أثر في حياة السكان. فالاختيار يمنح الشرعية، أما الثقة فلا تُكتسب إلا بالعمل والوضوح والنتائج.

المراجع والمصادر

  1. وكالة الأنباء الجزائرية، مرسوم استدعاء الهيئة الناخبة للانتخابات المحلية المقررة يوم 28 نوفمبر 2026، أغسطس 2026.
  2. التلفزيون الجزائري، حصيلة قوائم المترشحين للانتخابات المحلية لسنة 2026، أكتوبر 2026.
  3. التلفزيون الجزائري، معطيات مقارنة حول عدد المترشحين والقوائم والمقاعد في انتخابات 2021 و2026، أكتوبر 2026.
  4. الإذاعة الجزائرية، نتائج الانتخابات المحلية لسنة 2021 ونسب المشاركة، ديسمبر 2021.
  5. الإذاعة الجزائرية، ضوابط الحملة الانتخابية لمحليات 28 نوفمبر 2026، نوفمبر 2026.
  6. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، القانون العضوي رقم 05-26 المعدل والمتمم للأمر رقم 21-01 المتعلق بنظام الانتخابات، العدد 24، 4 أبريل 2026.
  7. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، القانون رقم 11-10 المؤرخ في 22 يونيو 2011، المتعلق بالبلدية.
  8. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، القانون رقم 12-07 المؤرخ في 21 فبراير 2012، المتعلق بالولاية.

أول نوفمبر: من بيان التحرير إلى هندسة المستقبل – ربيع بوسماعت

الكاتب الجزائري: ربيع بوسماعت.

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

ربيع بوسماعت

العقيدة العسكرية الجزائرية: من امتلاك السلاح إلى امتلاك القدرة – ربيع بوسماعت

العقيدة العسكرية الجزائرية: من امتلاك السلاح إلى امتلاك القدرة بين إرث التحرير ومتطلبات الاستدامة التقنية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *