ما بعد هرمز: عالم تحكمه القوّة لا القواعد – لطفي العبيدي

لطفي العبيدي
 

أخبار بلا حدود- لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري ضيّق يختصر الطريق أمام ناقلات النفط، بل أصبح اختبارا حقيقيّا لما تبقّى من قواعد النظام الدولي. فعندما تهبط حركة السفن التجارية في المضيق إلى أرقام متدنية جدا مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، وتتعرّض ناقلات ومرافق نفطية للهجمات، ثم يُستهدف حتى خط الأنابيب السعودي الذي يفترض أن يوفر طريقا بديلا عن هرمز، فإنّ المسألة تتجاوز أمن الطاقة إلى أسئلة أكبر لعلّ أبرزها: هل ما زال العالم قادرا على حماية القواعد التي تقوم عليها حركة التجارة الدولية، أم أن القوة العسكرية بدأت تحلّ محل القانون باعتبارها اللغة الأكثر فاعلية في إدارة العلاقات الدولية؟

أهمية هرمز لا تكمن فقط في النفط الذي يمر عبره، وإنما في أنه يكشف هشاشة اقتصاد عالمي بُني على افتراض أن الممرات البحرية ستظل مفتوحة مهما اشتدت الخلافات السياسية. قبل الحرب، كان المضيق يشهد مرور نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميّا، وينقل ما يقارب خُمس إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عالميا. أما اليوم، فقد أصبح المرور نفسه عملية محفوفة بالمخاطر، فيما تلجأ بعض الناقلات إلى إطفاء أجهزة التتبع لتجنب اكتشافها، وأصبحت كميات النفط التي تصل إلى الأسواق أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب. هذه ليست مجرد أزمة في سوق الطاقة؛ إنها إشارة إلى أن الجغرافيا البحرية التي قامت عليها العولمة يمكن أن تتحوّل، في لحظة صراع، من بنية تحتية للتجارة إلى أداة من أدوات الحرب.

لكن الأخطر من ذلك كله أن الأزمة لم تعد محصورة في هرمز. فاستهداف خط الأنابيب السعودي الذي ينقل النفط من الخليج إلى البحر الأحمر، ثم التطورات العسكرية المتسارعة في جنوب البحر الأحمر، يعيدان رسم خريطة المخاطر حول الممرات الحيوية كلها. والخطير هنا أن البدائل نفسها بدأت تصبح أهدافا. فإذا كان هرمز نقطة اختناق، فإنّ ضرب الطريق الذي يفترض أن يتجاوز هرمز يعني أن الحرب لا تستهدف الممر الواحد، بل شبكة الحركة التي تجعل الاقتصاد العالمي وحركة الامدادات ممكنة.  ومع ارتفاع سعر برنت إلى أكثر من 107 دولارات للبرميل، بدأت آثار الصراع تتجاوز المنطقة إلى التضخم وأسواق السندات وتكاليف النقل والطاقة في الاقتصادات الكبرى. وهنا تظهر المسألة السياسية الأعمق. فالنظام الدولي لم يُبنَ فقط على تفوّق القوى الكبرى، وإنما على فكرة أن هناك قواعد يفترض أن تضبط هذا التفوّق. صحيح أن هذه القواعد لم تكن عادلة دائما، وأن القوى الكبرى كثيرا ما تعاملت معها بانتقائية، لكن وجود المؤسسات والاتفاقات والقانون الدولي وفّر مساحة، ولو محدودة، لتحويل الصراع من مواجهة مباشرة إلى تفاوض. أمّا عندما تصبح العقوبات مقدّمة للحرب، والممرات البحرية أوراق ضغط، والمنشآت الحيوية أهدافا عسكرية، والملفات النووية جزءًا من صراع القوة، فإنّ المشكلة لا تعود في مخالفة قاعدة واحدة، وإنما في تآكل الثقة في فكرة القاعدة نفسها.

وتزداد خطورة الأمر مع عودة الملف النووي الإيراني إلى الواجهة الدولية. فبعد قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن بسبب ما اعتبرته الوكالة انتهاكات لالتزامات عدم الانتشار، ردّت طهران بأن المسار سياسي، وحذرت من أنه قد يدفع دولا أخرى إلى إعادة التفكير في التزاماتها تجاه معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وهذا صحيح عمليا. وبصرف النظر عن الموقف من البرنامج الإيراني، فإنّ الرسالة الأوسع تستحق التوقف لطرح السؤال التالي: ماذا يحدث لنظام عدم الانتشار إذا اقتنعت دول بأن الاتفاقات والضمانات الدولية لا توفر لها حماية كافية، وأن القوة وحدها هي الضمان الأكثر موثوقية؟ عندها لن تكون المشكلة في إيران وحدها، بل في مستقبل منظومة أمنية دولية كاملة. ولذلك فإنّ الحرب الحالية تكشف مفارقة عالمية خطيرة من منظور جيوسياسية، فكلّما ازدادت قدرة الدول على استخدام القوة، تراجعت قدرتها على إنتاج تسويات سياسية مستقرة.  الولايات المتحدة تستطيع الضغط عسكريا واقتصاديا، وإيران تستطيع رفع كلفة الحرب وتهديد الملاحة، والقوى الإقليمية تستطيع فتح جبهات جديدة، لكن أيّا من هذه القدرات لا ينتج بمفرده نظاما مستقرا. فالقوة تستطيع إجبار الخصم على التراجع، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة الثقة إلى الأسواق، أو ضمان أمن الملاحة، أو بناء تسوية تقبل بها الأطراف المتصارعة.

وقد يكون هذا هو الدرس الأهم من هرمز، اذ ليست المشكلة أنّ ممرّا بحريّا يمكن أن يُغلق، فالممرات تُفتح وتُغلق في الحروب. المشكلة أن يتحوّل إغلاقها إلى أمر يمكن فرضه بالقوة، وأن يصبح فتحها نفسه امتيازا لمن يملك السلاح الأقوى. هرمز، هذا المضيق الذي يثير المشاكل على مدى أشهر، يكشف انتقال العالم من مرحلة كان فيها الخلاف بين القوى الكبرى يُدار داخل قواعد مشتركة، إلى مرحلة تتزايد فيها محاولات كل قوة لإعادة تعريف القواعد وفق مصالحها. وليس معنى ذلك أن النظام الدولي انهار، كما أنّ العالم لم يدخل بعد نظاما جديدا مكتملا؛ الأخطر أنه يعيش منطقة رمادية بين نظام قديم يفقد قدرته على الإقناع ونظام جديد لم تتحدّد قواعده بعد.

ماذا يكشف هرمز عن العالم الجديد؟ – لطفي العبيدي

الكاتب التونسي: لطفي العبيدي

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

احمد لطفي شاهين

ايجابيات وسلبيات الذكاء الاصطناعي – د.احمد لطفي شاهين

أخبار بلا حدود- أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أهم محركات البحث والتنمية والابداع في العالم، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *