العقيدة العسكرية الجزائرية: من امتلاك السلاح إلى امتلاك القدرة – ربيع بوسماعت

ربيع بوسماعت

  • العقيدة العسكرية الجزائرية: من امتلاك السلاح إلى امتلاك القدرة
  • بين إرث التحرير ومتطلبات الاستدامة التقنية وحروب المستقبل
  • بقلم: ربيع بوسماعت

إرث التحرير وتعقيدات الحرب الحديثة

أخبار بلا حدود- لم تعد القوة العسكرية في عالم اليوم تُقاس بما تمتلكه الجيوش من أسلحة ومنظومات متطورة فحسب، بل بقدرتها على تشغيلها وصيانتها وتحديثها ودمجها ضمن منظومة متكاملة تستطيع الاستمرار في ظروف الضغط والأزمات. ومن هنا، فإن التفكير في العقيدة العسكرية الجزائرية لا يقتصر على حجم الترسانة أو تنوع مصادر التسليح، بل يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يتحول امتلاك السلاح إلى قدرة دفاعية مستدامة؟

تستند الذاكرة العسكرية الجزائرية إلى تجربة تحريرية شكّلت عنصرًا مركزيًا في بناء الدولة والجيش، ورسّخت قيم الاستقلال والسيادة والدفاع عن وحدة التراب الوطني. غير أن طبيعة الصراعات المعاصرة شهدت تحولات واسعة؛ فلم تعد المواجهة محصورة في الاشتباك التقليدي، بل أصبحت تشمل الحرب الإلكترونية، والطائرات غير المأهولة، والفضاء السيبراني، والاستطلاع المستمر، والتشويش، والحرب المعلوماتية، والقدرة على استدامة الإمداد والصيانة.

ويعني ذلك أن الحفاظ على الجاهزية لم يعد مرتبطًا باقتناء المنظومة القتالية وحدها، وإنما بوجود منظومة دعم كاملة تشمل التدريب، وقطع الغيار، والبرمجيات، والتحديث، والاختبار، وتأهيل الكفاءات. فالسلاح المتقدم الذي يتعذر تشغيله أو إصلاحه في الوقت المناسب قد يفقد جزءًا مهمًا من قيمته العملياتية، مهما بلغت كلفته أو مستوى تطوره.

الإنفاق العسكري: ماذا تقول الأرقام، وماذا لا تقول؟

تضع المؤشرات المالية الجزائر ضمن الدول ذات الإنفاق الدفاعي الكبير على المستوى الإفريقي. ويقدّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) الإنفاق العسكري الجزائري لعام 2025 بنحو 25.4 مليار دولار، بزيادة تقارب 11% مقارنة بعام 2024. وفي المقابل، أورد المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) تقديرات لمخصصات الدفاع في الميزانية الجزائرية تبلغ نحو 3.35 تريليون دينار لعام 2025 و3.21 تريليون دينار لعام 2026، وهي أرقام تتعلق بمخصصات الميزانية وليست بالضرورة مطابقة لمنهجية حساب الإنفاق العسكري لدى SIPRI.

ومن الضروري التعامل مع هذه المؤشرات بحذر منهجي؛ فالأرقام الصادرة عن مؤسسات مختلفة قد تستند إلى تعريفات ومناهج احتساب مختلفة، كما أن تخصيص الأموال لا يعني تلقائيًا أنها تحولت بالكامل إلى قدرات ميدانية. لذلك، لا تكفي قيمة الإنفاق وحدها للحكم على الفعالية الدفاعية، ما لم تُقرأ إلى جانب الجاهزية، وكلفة دورة حياة المعدات، والتكوين، والصيانة، والنتائج التي تحققها الاستثمارات على المدى الطويل.

وتشير بيانات SIPRI إلى انخفاض حجم واردات الجزائر من الأسلحة الرئيسية بنسبة 78% خلال الفترة 2021–2025 مقارنة بالفترة 2016–2020. لكن هذا المؤشر يقيس حجم نقل الأسلحة الرئيسية وفق منهجية المعهد، ولا يساوي قيمة الإنفاق المالي، ولا يثبت بمفرده تراجع القدرة العسكرية أو تحسنها. كما ينبه SIPRI إلى أن محدودية المعلومات العلنية قد تؤثر في دقة تقدير بعض عمليات نقل السلاح؛ ولذلك ينبغي تجنب تحويل الرقم إلى استنتاج قطعي من دون قرائن إضافية.

الاستدامة التقنية: الحلقة التي تستحق اهتمامًا أكبر

تُظهر المعلومات المنشورة على المواقع الرسمية لوزارة الدفاع الوطني وجود اهتمام بالبحث والتطوير، وبمهام الصيانة والإصلاح والعصرنة، فضلًا عن تصنيع بعض قطع الغيار محليًا. وتمثل هذه الأنشطة عناصر مهمة في بناء الاستقلالية التقنية، لكنها لا تكفي وحدها لقياس مدى الاكتفاء أو حجم القدرات المتاحة؛ إذ يتطلب التقييم معرفة مؤشرات منشورة عن نطاق التصنيع المحلي، ونسب توافر المعدات، ومدد الإصلاح، وتكوين الموارد البشرية، ومدى اعتماد المنظومات على الموردين الخارجيين.

وتكمن المسألة الأساسية في تراكم المعرفة الصناعية والهندسية، لا في إنتاج قطعة منفردة فحسب. فكلما اتسعت القدرة على التشخيص والإصلاح والتحديث محليًا، ازدادت مرونة المؤسسة الدفاعية في مواجهة تأخر الإمدادات أو اضطراب سلاسل التوريد. كما أن التعاون بين مؤسسات البحث والجامعات والقطاع الصناعي يمكن أن يرفع قيمة الإنفاق الدفاعي، شريطة أن تقترن المشاريع بأهداف قابلة للقياس وبمسارات واضحة لنقل الخبرة وتكوين الكفاءات.

إن الاستدامة التقنية ليست مجرد مسألة اقتصادية أو صناعية، بل عنصر من عناصر حرية القرار الدفاعي. فامتلاك القدرة على صيانة المنظومات وتطويرها يتيح هامشًا أوسع للتصرف عند تغير الظروف، ويحد من الارتهان الكامل لدورات التوريد الخارجية. ومع ذلك، فإن بناء هذه القدرة يحتاج إلى وقت واستثمارات متواصلة، وإلى منظومة تعليم وتكوين وبحث قادرة على تحويل المعرفة النظرية إلى تطبيقات عملية.

تكامل المنظومات قبل تضخيم الترسانة

تتزايد أهمية التكامل بين مختلف مكونات القوة العسكرية: الاستطلاع والاتصالات والقيادة والسيطرة والدفاع الجوي والقدرات البرية والبحرية والجوية والحرب الإلكترونية. ففعالية كل منظومة تتأثر بقدرتها على تبادل المعلومات والعمل مع بقية المنظومات، وبمدى توافق أنظمة الاتصال والبرمجيات والتدريب والصيانة. وقد يؤدي تنوع مصادر التسليح، إذا لم يُدعَم بإدارة تقنية وتدريبية مناسبة، إلى تعقيد الإمداد ورفع كلفة التشغيل.

ولا يعني ذلك أن تنوع مصادر السلاح مشكلة في ذاته؛ فقد يمنح الدولة هامشًا من المناورة ويحد من الاعتماد على مورد واحد. لكن الاستفادة من هذا التنوع تتطلب تخطيطًا طويل الأمد، ومعايير للتوافق، وتقديرًا لكلفة دورة حياة كل منظومة، لا الاكتفاء بسعر الشراء أو مواصفاتها المعلنة.

وفي حروب المستقبل، قد لا تكون الأفضلية حكرًا على الطرف الذي يمتلك المنصة الأكثر تطورًا، بل قد تتوقف أيضًا على الطرف الذي يستطيع جمع المعلومات وتحليلها وتبادلها بسرعة، ثم تحويلها إلى قرار مناسب. ومن ثم، فإن تطوير القدرات التقنية والبشرية وأنظمة القيادة والاتصال لا يقل أهمية عن تحديث المعدات نفسها.

ثلاثة مسارات محتملة للمستقبل

يمكن تصور ثلاثة مسارات عامة لتطور القدرة الدفاعية. الأول هو استمرار الاعتماد بدرجة كبيرة على اقتناء المنظومات الخارجية، مع تطوير قدرات الدعم المحلي تدريجيًا. والثاني هو توسيع التصنيع والصيانة والبحث التطبيقي المحليين، بما يعزز الاستقلالية التقنية في مجالات مختارة. أما الثالث فيقوم على الجمع بين الشراكات الخارجية والتطوير المحلي، مع إعطاء الأولوية للتكامل والبرمجيات والتدريب وإدارة دورة حياة المعدات.

ولا يمكن الجزم مسبقًا بأي من هذه المسارات سيتحقق؛ فذلك يتوقف على الموارد، والأولويات الاستراتيجية، والقدرة على نقل المعرفة، وفعالية التخطيط والتنفيذ. لكن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون عدد المشاريع المعلنة أو قيمة الصفقات وحدها، بل مقدار ما تضيفه من جاهزية واستمرارية ومرونة وقدرة على التكيف مع التغير التقني.

ويظل المسار الأكثر فائدة، من حيث المبدأ، هو الذي يوازن بين تلبية الاحتياجات الدفاعية الراهنة وبناء قدرات وطنية قابلة للتطوير مستقبلًا. فليس مطلوبًا بالضرورة إنتاج كل شيء محليًا، وإنما تحديد المجالات التي يمكن فيها بناء قيمة مضافة حقيقية، وتقليص التبعية في الجوانب الأكثر تأثيرًا في استمرارية التشغيل، مع الاستفادة من التعاون الخارجي بصورة تخدم نقل المعرفة وتكوين الكفاءات.

من شراء السلاح إلى بناء القدرة

إن النقاش حول العقيدة العسكرية الجزائرية يصبح أكثر فائدة عندما ينتقل من سؤال «كم نشتري؟» إلى أسئلة أكثر ارتباطًا بالاستدامة: كم تستمر المنظومة في الخدمة؟ ما مدى توافر قطع غيارها؟ ما مستوى القدرة على صيانتها وتحديثها؟ ما مقدار المعرفة التقنية التي تبقى داخل البلاد؟ وكيف يُقاس أثر الإنفاق على الجاهزية والتكامل؟ هذه أسئلة تحليلية تتصل بالسياسات العامة وبالمعلومات المنشورة، ولا تستلزم كشف تفاصيل عملياتية أو بيانات غير معلنة.

كما أن تقييم التطور الدفاعي يحتاج إلى مؤشرات تتجاوز قيمة الميزانيات وأعداد المعدات، لتشمل جودة التكوين، وكفاءة الصيانة، والقدرة على التحديث، واستمرارية الإمداد، ومدى التكامل بين مختلف المنظومات. فهذه العناصر تساعد على تكوين صورة أكثر توازنًا عن العلاقة بين الموارد المتاحة والقدرة الفعلية على استخدامها بكفاءة.

إن الحفاظ على السيادة الدفاعية في بيئة استراتيجية متغيرة لا يتحقق باقتناء السلاح وحده، بل ببناء منظومة متكاملة تجمع بين الإنسان والتقنية والصناعة والتدريب والتخطيط. ومن هذا المنظور، فإن الرهان الأهم أمام أي عقيدة عسكرية حديثة هو تحويل الموارد إلى قدرة مستدامة، وتحويل الخبرة إلى معرفة متراكمة، وتحويل المعرفة إلى جاهزية يمكن الحفاظ عليها وتطويرها بمرور الزمن.

المراجع والمصادر

  1. Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), “Trends in World Military Expenditure, 2025,” 2026.

https://www.sipri.org/publications/2026/sipri-fact-sheets/trends-world-military-expenditure-2025

  1. Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), “Trends in International Arms Transfers, 2025,” 2026.

https://www.sipri.org/publications/2026/sipri-fact-sheets/trends-international-arms-transfers-2025

  1. International Institute for Strategic Studies (IISS), Will Harvey-Powell, “The Maghreb Rivalry: A Defence-Spending Perspective,” 27 July 2026.

https://www.iiss.org/online-analysis/military-balance/2026/07/the-maghreb-rivalry-a-defence-spending-perspective/

  1. وزارة الدفاع الوطني الجزائرية، صفحة البحث والتطوير.

https://www.mdn.dz/site_em_anp/sommaire/rech-dev/rech-dev-ar.php

  1. وزارة الدفاع الوطني الجزائرية، القاعدة المركزية للإمداد.

https://www.mdn.dz/site_principal/sommaire/fabrication/bcl_ar.php

  1. Sour Lotfi, “Understanding Algeria’s Updated Military Doctrine in Regional Unrest Context,” World Politics, Vol. 6, No. 1, 2022, pp. 1373–1392.

https://asjp.cerist.dz/en/article/191554

الجزائر والساحل: المعركة التي لا تحسمها البنادق وحدها – ربيع بوسماعت

الكاتب الجزائري: ربيع بوسماعت.

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

ربيع بوسماعت

القضاء الجزائري بين ترسيخ العدالة ومسار الإصلاح.. إشكاليات الواقع وآفاق التطوير – ربيع بوسماعت

أخبار بلا حدود- لا يمكن الحديث عن بناء دولة القانون دون الحديث عن القضاء باعتباره …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *