المشكلة لم تولد اليوم – عبدالله سعيد الحبسي

عبدالله سعيد الحبسي
 
  • المشكلة لم تولد اليوم
  • عبدالله سعيد الحبسي، MIoL

أخبار بلا حدود- عندما يقع خلل كبير في مؤسسة، نسمع في الساعات الأولى عبارات متشابهة: لم يكن أحد يتوقع ذلك، وقد وقع الأمر فجأة، ونحن نبحث عن الأسباب. لكن التحقيق الهادئ يكشف أحيانًا أن المشكلة لم تولد في يوم الحادث. كانت لها إشارات صغيرة، وملاحظات من العاملين، وشكاوى متكررة، وتقارير انتهت إلى الأدراج قبل أن تنتهي إلى قرار.

ليست كل الأزمات قابلة للتوقع، وهذه حقيقة يجب احترامها. لكن هناك فرقًا بين الخطر الذي ظهر دون مقدمات والخطر الذي جرى الاعتياد عليه. فقد يعرف الفني أن قطعة غيار تتأخر كل مرة، ويعرف الموظف أن النظام يتعطل عند الضغط، ويعرف المشرف أن عدد العاملين لا يكفي في ساعة الذروة. كل واحد يعرف جزءًا من الصورة، لكن الصورة الكاملة لا تصل أحيانًا إلى من يستطيع التصرف.

في مثل هذه المؤسسات تصبح الملاحظة جزءًا من الروتين. يكتب الموظف تقريرًا فيُحال إلى قسم آخر، فيرد القسم بأن الأمر خارج اختصاصه، ثم يُغلق الطلب لأنه مر بإجراء إداري صحيح. تختفي المشكلة من الشاشة دون أن تختفي من الواقع. ومع تكرار المشهد، يتعلم الناس ألا يلحوا في الإبلاغ، لأن النتيجة غالبًا لن تتغير.

ولا تقتصر المسؤولية على الإدارة العليا. فقد يُخفي مشرف مشكلة خوفًا من اللوم، أو يؤجل موظف تنبيهًا لأنه يظن أن غيره سيتولى الأمر، أو تختصر لجنة تقريرًا حتى يبدو التقدم أكبر مما هو عليه. هكذا تُبنى الأزمة على قرارات صغيرة، كل منها يبدو معقولًا وحده، ثم تأتي النتيجة أكبر من مجموعها.

من السهل بعد الحادث البحث عن الشخص الذي أخطأ في اللحظة الأخيرة. وقد يكون أخطأ فعلًا ويستحق المحاسبة. لكن العدالة المهنية تقتضي النظر إلى ما سبقه: هل كان يتعامل مع عطل معروف؟ هل وصلته المعلومات اللازمة؟ هل دُرب على الموقف؟ وهل استطاع أن يبلغ عن الخطر من دون أن يخشى أن يتحول البلاغ إلى اتهام ضده؟

الإدارة الجيدة لا تقاس فقط بسرعة بيانها بعد الأزمة، بل بقدرتها على سماع الأخبار غير المريحة قبل وقوعها. وهي تحتاج إلى سجل للمشكلات المتكررة لا يكتفي بتاريخ الإغلاق، وإلى مسؤول محدد عن معالجة السبب الأصلي، وإلى مراجعات تتأكد أن الخلل لم يعد يظهر في مكان آخر باسم مختلف.

الأهم أن يعرف العاملون أن الإبلاغ الصادق لا يعاقب تلقائيًا، وأن الاعتراف بالمشكلة لا يساوي الاعتراف بالفشل الشخصي. فالمؤسسة التي تعاقب حامل الخبر السيئ ستعيش مدة أطول مع خبر جميل لا يصف واقعها. وحين تقع الأزمة ستكتشف أنها فقدت مصدر الإنذار الأول: الناس الذين يرون العمل كما يحدث بالفعل.

المشكلة لا تصبح جديدة لأننا سمعنا اسمها في نشرة الأخبار اليوم. قد يكون عمرها شهورًا، وربما سنوات. وحين نراجع الحوادث، علينا ألا نسأل فقط: من ارتكب الخطأ الأخير؟ بل: كم مرة رأينا بداياته، وماذا فعلنا بها؟

عبدالله سعيد الحبسي، MIoL | عضو معهد القيادة البريطاني | كاتب وباحث في الأمن والتراث والمخاطر وغرف العمليات.

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

ربيع بوسماعت

المينورسو في مواجهة الفراغ: هل أصبح مستقبل الصحراء الغربية رهينة صراع القوى الكبرى؟ – ربيع بوسماعت

المينورسو في مواجهة الفراغ: هل أصبح مستقبل الصحراء الغربية رهينة صراع القوى الكبرى؟ من الفيتو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *