
- ثلاث مكالمات في وقت واحد
- عبدالله سعيد الحبسي، MIoL
أخبار بلا حدود- تخيل أن غرفة العمليات تتلقى خلال دقيقة واحدة ثلاثة بلاغات: طريق أغلقته المياه، وانقطاع كهرباء عن منشأة تحتاج إلى تشغيل مستمر، وشخص عالق في منطقة يصعب الوصول إليها. كل بلاغ مهم، وكل واحد يحتاج إلى قرار، لكن الموارد المتاحة لا تتضاعف تلقائيًا مع عدد الحوادث. هنا تبدأ الأزمة الحقيقية: ليست في الحادث الواحد، بل في التزاحم بين حوادث تستدعي الاستجابة في الوقت نفسه.
هذا المشهد افتراضي، لكنه يوضح مسألة عملية في إدارة الطوارئ. فخطط كثيرة تُختبر على حادث محدد، بفريق معلوم ومسار اتصال واضح. وعند حدوث عدة وقائع متزامنة، تتغير الصورة؛ الفرق المطلوبة قد تكون مشغولة، والمعلومات ناقصة، والجهات المعنية تتنافس على الوقت ذاته. وقد يصبح القرار الأصعب ليس ما العمل، بل بأي حادث نبدأ، ومن يملك صلاحية تغيير الأولويات إذا تغيرت المعطيات.
مع ازدياد تعقيد المدن والبنية التحتية، باتت الخدمات تعتمد بعضها على بعض بدرجة يصعب تجاهلها. تعطل طريق قد يمنع وصول فريق الصيانة، وتأخر فريق الصيانة قد يطيل انقطاع الخدمة، وانقطاع الخدمة قد يرفع عدد البلاغات إلى غرفة العمليات. وهكذا لا تبقى المشكلة محصورة في مكانها الأول، بل تنتقل آثارها بين قطاعات متعددة.
لا يكفي في مثل هذه الحالات وجود أرقام اتصال بين المؤسسات. المطلوب أن تعرف الفرق مسبقًا أي المعلومات ينبغي تبادلها، ومن يعلن تغير مستوى الأولوية، وكيف تُحل الخلافات عندما تختلف تقديرات الجهات المعنية. فقد ترى جهة أن إعادة فتح الطريق هي الأولوية، بينما تحتاج جهة أخرى إلى إبقائه مغلقًا حتى انتهاء الفحص. ومن دون آلية واضحة لاتخاذ القرار، يمكن أن يضيع وقت ثمين في انتظار اتفاق لا يأتي.
وثمة جانب أقل ظهورًا يتعلق بإرهاق العاملين. فالمشغل الذي يستقبل البلاغات المتتابعة يحتاج إلى تصنيفها وربط المتشابه منها والتحقق من صحتها، لا مجرد تسجيلها. والمشرف الميداني يحتاج إلى صورة محدثة لما يحدث خارج نطاق فريقه. وكلما زاد الضغط، ارتفع خطر تكرار البلاغات أو سوء فهم المواقع أو انتقال معلومة قديمة على أنها جديدة.
لذلك ينبغي أن تشمل التمارين الدورية سيناريوهات يتعطل فيها أحد افتراضات الخطة: وسيلة اتصال تفشل، أو طريق إسناد يغلق، أو يتأخر وصول مورد أساسي، أو يصل بلاغ يغيّر ترتيب الأولويات. والهدف من التمرين ليس إحراج المشاركين أو إثبات أن الخطة فاشلة، بل كشف نقاط الضعف في بيئة يمكن التعلم فيها قبل أن تكون كلفة الخطأ بشرية.
كما ينبغي أن تسأل المراجعة التي تلي الحادث عن القرارات، لا عن سرعة الاستجابة وحدها. لماذا اعتُمدت أولوية معينة؟ متى عرفنا أن موردًا لم يعد متاحًا؟ هل وصل التحديث إلى جميع الجهات؟ وهل كان لدى المسؤول الميداني مجال لاتخاذ قرار عاجل دون انتظار سلسلة طويلة من الموافقات؟ هذه الأسئلة تبني معرفة عملية تتجاوز عبارات الإشادة المعتادة.
لا توجد غرفة عمليات تستطيع منع كل طارئ، ولا قيادة تملك يقينًا كاملًا أثناء الحوادث. لكن المؤسسات تستطيع أن تستعد للارتباك نفسه، وأن تختبر قدرتها على ترتيب الأولويات وتبادل المعلومات والعمل في ظروف غير مكتملة. فالاختبار الحقيقي لا يقع دائمًا عند أول اتصال، بل قد يبدأ عندما يرن الهاتف مرة ثانية وثالثة قبل أن تنتهي المكالمة الأولى.
إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.
أخبار بلا حدود الاخبار على مدار الساعة