عاجل

مدينة فرندة: عندما تتحدث القمامة ويصمت الماء – مقال محمد سبع

سبع محمد
 

أخبار بلا حدود- لم يكن أشد المتشائمين يتصور أن يأتي يوم تصبح فيه فرندة، المدينة التي حملت عبر تاريخها عبق الحضارات وذاكرة العلماء والمفكرين، أسيرة مشاهد تؤلم القلب قبل أن تزعج العين، مدينة كانت تفيض بالحياة؛ فإذا بها اليوم تئن تحت ثقل القمامة المتراكمة؛ وتختنق أحياؤها بروائح النفايات؛ ويقضي سكانها أيامهم في انتظار قطرة ماء تخفف عنهم قسوة الصيف، لم تعد المعاناة حدثًا عابرًا؛ بل أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ أطفال يلعبون بمحاذاة أكوام الفضلات؛ وعائلات ترهقها أزمة التزود بالمياه؛ وفضاءات عمومية فقدت بريقها تحت ثقل الإهمال وتراجع الإحساس بالمسؤولية، ومع كل يوم يمر؛ تتسع الفجوة بين تاريخ مدينة تستحق أن تكون نموذجًا في الجمال والنظافة؛ وواقع يثقل كاهل سكانها ويستنزف صبرهم وأملهم، وبين مجد الأمس وقسوة الحاضر؛ يبقى السؤال الذي يختصر وجع فرندة بأكمله:… فإلى متى سيظل تاريخ فرندة أكثر جمالًا من حاضرها؟

ففي ذروة الصيف، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، لا يجد سكان مدينة فرندة ما يخفف عنهم وطأة الحر سوى مشهدين يتكرران كل يوم؛ أكوام القمامة التي تحتل الشوارع والأحياء؛ وحنفيات لا تجود إلا بالقليل من الماء، وبين المشهدين تتآكل تفاصيل الحياة اليومية، ويصبح البحث عن بيئة نظيفة أو تزويد منتظم بالمياه جزءًا من معاناة لا تنتهي،

المدينة التي كانت تُعرف بتاريخها العريق ومكانتها الثقافية؛ لم تعد اليوم تعكس سوى صورة التراجع البيئي والخدمي، فمعظم الأحياء؛ من سوالم الكبير إلى أول نوفمبر؛ ومن حطاب أحمد إلى 34 شهيد وغيرها من الأحياء؛ تعيش على وقع إنتشار النفايات وتراكمها في الأرصفة والطرقات والساحات العمومية، حتى أصبحت الروائح الكريهة والحشرات والكلاب الضالة عناصر ثابتة في المشهد الحضري،

ولا تبدو خدمات رفع النفايات قادرة على مواكبة حجم الأزمة، فمرور شاحنات الجمع مرة واحدة في الأسبوع لا يكفي لمدينة يتزايد فيها عدد السكان وتتضاعف فيها كمية الفضلات يومًا بعد آخر، كما أنّ غياب الحاويات في العديد من الأحياء يدفع البعض إلى رمي النفايات في أي مساحة فارغة؛ فتتحول الأرصفة وحواف الطرق وحتى محيط المدارس إلى مفارغ عشوائية تشوه المنظر العام وتهدد الصحة العمومية،

وتزداد الصورة قتامة مع لجوء البعض إلى حرق النفايات في الهواء الطلق؛ وهو سلوك يضيف تلوثًا جديدًا إلى بيئة أنهكتها القمامة؛ ويحوّل الأحياء السكنية إلى فضاءات تختلط فيها الروائح بالدخان؛ في مشهد لا يليق بمدينة تطمح إلى التنمية وتحسين جودة الحياة،

وفي الجهة الأخرى من المعاناة، يفرض إضطراب التزود بالمياه نفسه كأحد أكثر الملفات إلحاحًا، فالتوزيع غير المنتظم؛ بالتزامن مع موجات الحر؛ جعل الحصول على الماء تحديًا يوميًا بالنسبة للعائلات، بعدما إرتفع الطلب على هذه المادة الحيوية في وقت لا يواكبه تحسن في خدمات التوزيع. وأصبح السكان مضطرين إلى تخزين المياه متى توفرت، خشية انقطاعها للأيام وهو ما يحدث فعلا في حي النصر مثلا الذي يشكو من قلة التزود، واقع يضاعف الأعباء ويزيد من شعور المواطنين بالإهمال،

وتتحمل الجهات المكلفة بتسيير هذا القطاع مسؤولية تحسين شبكات التوزيع ووضع برامج أكثر عدالة وفعالية؛ بما يضمن وصول المياه إلى مختلف الأحياء وفق رزنامة واضحة؛ خاصة خلال فصل الصيف الذي يشهد أعلى معدلات الاستهلاك،

كما أنّ معالجة مشكل النظافة لا يقتصر على تدخل المؤسسات وحدها؛ فالسلوك الفردي يشكل بدوره جزءًا من المشكلة. فما تزال ممارسات رمي النفايات خارج الحاويات؛ والتخلص من مخلفات البناء والأثاث في الفضاءات العمومية؛ وعدم احترام أوقات إخراج القمامة؛ تساهم في تعقيد مهمة مصالح النظافة وتفاقم حجم التلوث البصري والبيئي،

إنّ تحسين الوضع يقتضي شراكة حقيقية بين البلدية؛ ومؤسسة الجزائرية للمياه؛ والمجتمع المدني، والحركة الجمعوية؛ والمواطنين، فالمطلوب لم يعد حملات ظرفية تنتهي بانتهاء المناسبة؛ بل خطة دائمة تقوم على توفير الوسائل البشرية والمادية؛ وإقتناء شاحنات جديدة؛ وتدعيم الأحياء بالحاويات؛ وإعداد خرائط للنقاط السوداء؛ مع إعتماد الوسائل الرقمية لمتابعة عمليات جمع النفايات والتدخل السريع عند تسجيل أي اختلال،

كما أنّ نشر ثقافة فرز النفايات والمحافظة على المحيط أصبح ضرورة بيئية لا تقل أهمية عن توفير الإمكانات؛ لأن المدينة النظيفة لا تصنعها الآليات وحدها؛ وإنّما يصنعها أيضًا وعي سكانها وإحساسهم بأنّ الفضاء العام ملك للجميع،

تبقى فرندة أكبر من أن تختزل في صور القمامة أو أخبار انقطاع المياه. فهي مدينة بتاريخها ورصيدها الحضاري تستحق خدمات تليق بسكانها؛ وتستحق إرادة حقيقية تعيد إليها وجهها الجميل، أمّا إستمرار الوضع على حاله فلن ينتج سوى مزيد من التدهور؛ ويجعل أبسط الحقوق؛ كالماء والنظافة؛ تتحول إلى إمتيازات ينتظرها المواطن بدل أن تكون خدمات مضمونة في حياته اليومية.

محمد سبع – الجزائر

حقوق النشر :

إذا كنت تعتقد بأنه قد تم نسخ عملك بطريقة تشكل انتهاكاً لحقوق التأليف والنشر، يرجى إتصال بنا عبر نموذج حقوق النشر.

نموذج الإتصال

أية استفسارات أو نقاشات يرجى طرحها أسفله في خانة التعليقات و المناقشات.

شاهد أيضاً

سميرة بيطام

سميرة بيطام: استراتيجية ترامب الأخيرة في حربه على ايران

أخبار بلا حدود- يقال أنه عندما تكون صغيرا تكون أذكى بفضل ما اتعلمه ممن يربيك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *